الاربعاء 25 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 26 فبراير 2003 هل يستطيع الرأي العام العالمي ان يوقف الحرب ضد العراق وان يكشف النوايا الحقيقية للولايات المتحدة الاميركية وحلفائها؟ عشرات الملايين من البشر في اكثر من 600 مدينة في العالم عبروا عن معارضتهم المطلقة للحرب، مظاهرات بداية الاسبوع الماضي لها اكثر من دلالة، حيث انها كشفت عن عدم احترام الرأي العام حتى في تلك الدول التي تدعي الديمقراطية وتعطي دروسا في الديمقراطية وحقوق الانسان لدول العالم فمسيرات اميركا وبريطانيا واستراليا وايطاليا واسبانيا كشفت عن عدم تطابق اتجاه الرأي العام مع موقف صانع القرار، ومن جهة اخرى عبرت عن ضرورة احترام رأي الشارع ورأي الاغلبية. لكن يبدو ان احداث 11 سبتمبر اثرت سلبا على الحريات الفردية وعلى الحرية والفكر والرأي والصحافة في دولة مثل اميركا التي كافحت وناضلت من اجل مثل هذه الحريات لعقود من الزمن بل لقرون. معركة اخرى تخسرها الولايات المتحدة الاميركية هذه المرة معركة الرأي العام حيث تظاهرت الجماهير الغفيرة في اكثر من 80 دولة في العالم منددة بسياسة الحرب والغطرسة التي تنتهجها الادارة الاميركية ازاء العراق غداة احداث 11 سبتمبر 2001 فوجيء الاميركان بحقيقة مرة تمثلت في الصورة المهتزة للعم سام في معظم انحاء العالم وحتى شعوب الدول الصديقة عبرت عن استيائها وكراهيتها لاميركا وسياستها البوليسية في العالم. هذه الحقيقة او هذا الواقع جعل الخبراء الاميركيين في علوم الاتصال والدعاية وعلم النفس يجتهدون في عملية انقاذ ما يمكن انقاذه وبناء صورة اميركية ايجابية وبذلك شرعت الولايات المتحدة الاميركية في حملة دعائية وتضليلية لكسب الرأي العام الاميركي والعالمي بكل الوسائل والطرق واول ما فكرت فيه الادارة الاميركية هو استقطاب اكبر خبراء العلاقات العامة لتسويق صورة ايجابية، لكن ما لم تنتبه له اميركا هو ان العلاقات العامة لا تستطيع تسويق الكذب والافتراء والباطل، وسر نجاح العلاقات العامة يتوقف على المصداقية والموضوعية وتقديم الحقيقة كما هي وحتى اللحظة لم تعترف اميركا ان غطرستها وتعصبها وارادتها الفولاذية للسيطرة على العالم والتفوق عليه هي العوامل التي جعلت صورتها مهتزة وسلبية في جميع ربوع العالم فمواقفها المتناقضة بخصوص العلاقات الدولية وسياستها الخارجية في الشرق الاوسط وانحيازها الاعمى للكيان الصهيوني وللانظمة الدكتاتورية والمستبدة التي تخدم مصالحها في ربوع العالم جعل من اميركا ذلك الغول الذي لا يرى ولا يعترف الا بمصالحه وان كان ذلك على حساب الديمقراطية والحرية والعدالة وهي نفس المباديء التي تتغنى بها اميركا معلمة الديمقراطية وحقوق الانسان والحريات الفردية في العالم. آلة دعائية كشفت احداث 11 سبتمبر عن حقيقية الالة الاعلامية الاميركية التي ضربت عرض الحائط بقيم الموضوعية وعدم الانحياز والعدالة في الطرح والى غير ذلك من ادبيات حرية الصحافة وحرية الرأي والتعبير وتحولت الآلة الاعلامية الاميركية الى بوق وفي للبيت الابيض ولـ «كوندوليزا رايس» و«كولن باول» واصبحت وسائل الاعلام الاميركية تبذل قصارى جهودها لتبرير الحرب وفي تلوين صورة اميركا المدافعة عن الحرية وعن العدالة وحقوق الانسان. وهكذا جاء الخطاب الاعلامي الاميركي ليشن حربا شعواء ضد كل ما هو عربي ومسلم، حيث قرن الاسلام بالارهاب واصبح اسامة بن لادن هو ممثل الاسلام والناطق الرسمي باسم الامة الاسلامية، واصبح كل عربي ارهابيا، من جهة اخرى شنت وسائل الاعلام الاميركية بعيدا عن اللباقة الاعلامية والاحترافية والمهنية حملة كبيرة جدا عنيفة ضد فرنسا والمانيا بعد اعلانهما عن موقفهما المضاد لضرب العراق ونقرأ لتوماس فريدمان اقتراحه بتبديل فرنسا بالهند في مجلس الامن واشكال وانواع من صور الحقد والضغينة والكبرياء والغطرسة. وما يثير الانتباه اكثر حول ما حدث الاسبوع الماضي من مظاهرات ومسيرات في العواصم والمدن في جميع ربوع العالم هو الرأي العام العربي المغيب تماما ماعدا بعض المظاهرات المحتشمة هنا وهناك وهذا ليس غريبا على الواقع العربي حيث نلاحظ الفجوة الكبيرة بين القمة والقاعدة وبين السلطة والشارع، وفي غالبية الدول العربية لا يسمح بتنظيم مظاهرة شعبية الا بتصريح من وزارة الداخلية واذا حصل هذا فنجد قوافل من رجال الشرطة والمخابرات في مراقبة ومضايقة المتظاهرين، والغريب في الامر ان شعوبا مختلفة وعديدة في جميع بقاع العالم تظاهرت وعبرت عن موقفها حتى وان تحالفت حكوماتها مع اميركا لضرب العراق في الولايات المتحدة الاميركية تحرك الشارع وعارض سياسة الحرب وتحدى صقور البيت الابيض وعصابة اليمين المتطرف المتحالف مع الصهيونية العالمية. قد نتساءل لماذا هذا التهميش وهذا الاغتراب وهذا الشلل على مستوى الشارع العربي وهو المعني والمتضرر بالدرجة الاولى اذا اندلعت الحرب ضد الشعب العراقي البريء؟ انعدام الديمقراطية في العالم العربي وغياب المشاركة السياسية وغياب السلطات المضادة في المجتمع وكذلك الجمعيات السياسية القوية والفاعلة غيبت الشارع العربي وجردت الرأي العام من مفهومه الحقيقي ومن كونه السلطة الحقيقية في المجتمع فالفرد في المجتمع العربي لا يعني اكثر من كونه مجرد رقم. اعلام مشلول ما ينسحب على الرأي العام والشارع العربي ينسحب على المؤسسة الاعلامية العربية التي لا تستطيع في حقيقة الامر ان تكون اقوى واكثر فعالية وديمقراطية من الواقع العربي ومن موقع الفرد العربي في المعادلة السياسية، فالمؤسسة الاعلامية العربية ومنذ ما يقارب النصف قرن اليوم بقيت مؤسسة منعزلة عن الشارع وعن الفرد العربي وفضلت السلطة وانحازت اليها على حساب خدمة الحق والمعرفة والرأي العام وبذلك عندما يمر المجتمع العربي بأزمات تبقى المؤسسة الاعلامية العربية تتفرج على مجريات الامور وحتى عندما تتعرض الامة العربية للافتراءات والحملات الدعائية والتضليلية والصور النمطية المختلفة نجد نظامنا الاعلامي غير قادر على الرد وعلى تصحيح الصور التشويهية وعلى تسويق الصورة الحقيقية للحضارة العربية الاسلامية، ورغم المغالطات العديدة والحملات الدعائية المغرضة نجد الحق مغيبا والباطل هو المسيطر والرائج والسائد في عقول واذهان الناس. اميركا اذن خسرت حرب الرأي العام وانها لا تستطيع ان تكسب هذه الحرب ولو استعملت اكبر خبراء العلاقات العامة في العالم واكبر خبراء الدعاية والحرب النفسية لان تسويق الباطل والكذب والتلفيق والتضليل يواجهه في معظم الاحيان الرأي الاخر، وتنكشف الحقيقة ان آجلا أم عاجلا، فصورة اميركا اهتزت في جميع انحاء العالم ولم تشفع لها لا آلتها الاعلامية والدعائية ولا المليارات من الدولارات التي خصصتها لتلميع صورتها وتلوينها باللون الايجابي الناصع الذي يتغنى بالديمقراطية وحرية الفكر والرأي وحقوق الانسان وما الى ذلك من الادبيات التي عودتنا عليها اميركا. في السنوات الاخيرة دخلت اميركا كعادتها في حرب التضليل الاعلامي والحرب النفسية وخسرت كل شيء خسرت سمعتها وهيبتها وخسرت اهم ما بنته خلال عقود من الزمن بل خلال قرون وهو حرية الصحافة والحريات الفردية وحقوق الانسان وحرية الفكر والرأي والتعبير. ـ كلية الاتصال جامعة الشارقة