الاربعاء 25 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 26 فبراير 2003 كانت باريس خلال الاسبوع الماضي على موعد مع القمة الفرنسية ـ الافريقية الـ 22، التي شارك فيها عدد كبير من قادة دول القارة السمراء، والشعار الذي اختير عنوانا لهذه القمة «افريقيا وفرنسا معا في اطار الشراكة الجديدة»، يشير الى رغبة فرنسية واضحة في تغيير طبيعة العلاقة التي تربط فرنسا بالقارة الافريقية، لتصبح علاقة تبادلية بدلاً من العلاقة الاستتباعية التي سادت خلال المراحل الاستعمارية السابقة.. الطويلة. وفي الواقع، فانه منذ عقد القمة الفرنسية ـ الافريقية الاولى عام 1973 ـ بمبادرة من الرئيس الفرنسي السابق جورج بومبيدو ـ وحتى اليوم، طرأت تطورات بالغة الأهمية. اذ تحررت جميع الدول الافريقية من الاستعمار الذي كان يجثم على صدرها وينهب ثرواتها، ويفرّق بين شعوبها، وان كانت ظلت، في معظمها، تعاني مشاكل كثيرة، كالفساد والصراعات الداخلية والنزاعات الاقليمية والامراض الفتاكة وانعدام الأمن والاستقرار والتخلف الاقتصادي.. الخ. والى جانب ان فرنسا تقيم علاقات ثقافية واقتصادية وسياسية مع 25 دولة افريقية ناطقة باللغة الفرنسية وتقدم مساعدات دائمة لها، فهي تتمتع ايضا بوجود عسكري بارز، سواء عبر قاعدتها الرئيسية الضخمة في جيبوتي، او عبر القواعد العسكرية الاخرى المنتشرة في كل من الغابون، افريقيا الوسطى، السنغال، وساحل العاج التي بدأ التعاون العسكري معها في عام 1998. وتعد هذه الدول أهم مناطق النفوذ الفرنسي في افريقيا لأنها تغطي مناطق شرق ووسط وغرب منطقة افريقيا جنوب الصحراء. وتقوم شبكة الدفاع الفرنسية الحديثة في افريقيا على اساس فكرة تقسيم القواعد العسكرية الى قسمين: الاول يعمل على الاراضي الافريقية، والثاني يعمل من داخل الحدود الفرنسية، وبالتحديد في الجنوب الغربي من البلاد. وبذلك تحتفظ القوات الفرنسية بالقدرة على التحرك السريع، وذلك للتدخل في النزاعات الداخلية، او للدفاع عن الدول الحليفة عند الضرورة. أخطاء الماضي ويلاحظ ان الاسلوب الذي تعتمده باريس، في تعاملها مع النزاع الخطير الذي شهدته دولة ساحل العاج العام الماضي ومازال مستمرا حتى الآن، يشير الى رغبتها في الاستفادة من الاخطاء الفادحة التي ارتكبتها لدى وقوع المذابح العرقية في رواندا اواخر التسعينيات من القرن الماضي وذهب ضحيتها نحو مليون رواندي من الأقلية «التوتسي» على ايدي «الهوتو» الذين يشكلون اغلبية السكان. اذ غضت السلطات الفرنسية الطرف، من بداية النزاع الرواندي، عن التصفيات التي نفذتها قبائل «الهوتو» ضد «التوتسي» بسبب علاقتها الخاصة بهم، ثم عجزت لاحقا عن وقف المجازر التي طالت مئات الالوف، كما اضطر نحو مليوني شخص الى الهرب باتجاه الدول المجاورة. لذلك حرصت الحكومة الفرنسية على اتخاذ موقف محايد بين اطراف النزاع العاجي، فتدخلت عسكريا لوقف التمرد الشمالي ضد حكومة الرئيس لوران غباغبو، ثم رعت «اتفاق ماركوسي» الذي تم توقيعه قبل عدة اسابيع في احدى ضواحي باريس بين اطراف النزاع. وبموجب هذا الاتفاق اختير سيدو ديارا رئيسا للحكومة، كما جرى الاتفاق على اسناد حقيبتي الدفاع والداخلية الى اثنين من رجال القوى المتمردة. الا انه تعذر تنفيذ هذا الاتفاق بسبب ردود الفعل الشعبية الغاضبة التي انطلقت في العاصمة ابيدجان، خصوصا فيما يتعلق باسناد مناصب وزارية رئيسية للمتمردين. وهكذا.. وجدت قمة باريس نفسها امام خطر جدي يمثله احتمال تجدد القتال في ساحل العاج بين القوات الحكومية والمتمردين، مع ورود معلومات تتحدث عن تشكيل فرق تصفيات خاصة مرتبطة بالرئيس العاجي غباغبو، مهمتها ملاحقة خصومه المعارضين، برغم انه هو شخصيا كان احد موقعي «اتفاق ماركوسي». وضاعف من هذه المخاوف تخلف الرئيس غباغبو عن حضور القمة، بينما شارك رئيس حكومة الوحدة الوطنية سيدو ديارا في أعمالها، ممثلا ساحل العاج، وفي الوقت الذي أكدت القمة على ضرورة تنفيذ «اتفاق ماركوسي» الذي وقعته مختلف القوى المتصارعة في ساحل العاج، ودعت الرئيس لوران غباغبو الى تحمل مسئولياته في هذا المجال، وذلك باقامة حكم ائتلاف وطني، قرر المشاركون في القمة انشاء جهاز أمني خاص لضمان أمن رئيس الوزراء الجديد واعضاء حكومته، على ان يضم هذا الجهاز عناصر من المجموعة الاقتصادية لغرب افريقيا، بالاضافة الى قوات فرنسية. ومن المفترض ان تساعد هذه الخطوة في تمكين ديارا من تشكيل حكومته الجديدة وممارسة مسئولياته في اقرب وقت. ان الشراكة الفرنسية ـ الافريقية تجد نفسها دائما في مواجهة جروح جديدة نازفة في الجسد الافريقي، يتعين تضميدها، ما يحول دون اعطاء الاهتمام الكافي لمعالجة المشاكل الرئيسية التي تعاني منها افريقيا، والتي تتوزع بين الامن والصحة والتعليم والمياه والتطور الزراعي، ثم مكافحة الارهاب والجريمة المنظمة، البيئة، التنمية المستديمة، وقضايا عديدة اخرى في مقدمتها: الديمقراطية وحقوق الانسان. وكما ان النزاع الدموي في ساحل العاج استحوذ على اهتمام المشاركين في القمة الـ 22 وربما على حساب المواضيع الاخرى المدرجة على جدول الاعمال، فقد سبق للقمة الـ 21 التي عقدت في ياوندي «يناير 2001» ان واجهت حالة مماثلة، حيث تحول الاهتمام من «التحديات المترتبة على العولمة» ـ وهو الموضوع الرئيسي لتلك القمة ـ الى المضاعفات الناشئة عن اغتيال الرئيس الكونغولي لوران كابيلا. وقد بدا، آنذاك، وكأن المنطقة تواجه فتنة جديدة لابد من وأدها في المهد، وقبل ان تتحول الى صراع داخلي، او الى نزاع اقليمي واسع. احتدام المنافسة وفي هذا المجال، فان عين باريس على واشنطن دائما، حيث يتربص كل منهما بالآخر. ويشير محللون الى ان التنافس الفرنسي ـ الاميركي في افريقيا شهد مزيدا من الحدة والتوسع في السنوات الماضية. ومع ان فرنسا تحتفظ بمواقع كثيرة داخل القارة الافريقية، سواء عبر الفرنكفونية، او عبر المساعدات الاقتصادية والفنية التي تقدمها الى العديد من الدول، بالاضافة الى الدعم العسكري الذي يتخذ اشكالا مختلفة، الا ان الولايات المتحدة استطاعت تعزيز حضورها، وذلك من خلال استثمارات ضخمة وظفتها شركاتها في عدة دول افريقية نفطية. وبالاضافة الى الزيارات المتواصلة التي يقوم بها مسئولون اميركيون الى دول افريقية عديدة، تأكيدا للاهتمام الذي توليه الولايات المتحدة لمسألة تعزيز العلاقات مع القارة الافريقية، كان الرئيس الاميركي جورج بوش اعلن مطلع العام الجاري خطة لمد العمل بالامتيازات المتاحة للقارة الافريقية لما بعد العام 2008، وذلك لاتاحة فرص النمو لافريقيا وثمة من يتوقع ان يستمر هذا التمديد حتى العام 2015، ويوفر القانون المذكور الذي يشمل 38 دولة افريقية جنوب الصحراء الكبرى، حرية دخول عدد كبير من السلع الافريقية الى الاسواق الاميركية من دون رسوم جمركية. ومن الواضح ان الاهتمام الذي تبديه الادارة الاميركية الحالية بافريقيا، يشكل استمرارا لنهج مماثل اعتمدته الادارة السابقة. فقد استضاف الرئيس السابق بيل كلينتون قمة لزعماء عدد من الدول الافريقية في واشنطن مطلع عام 2000، اكد فيها على ضرورة قيام «شراكة» مع الدول الافريقية. وقال كلينتون «ان افريقيا تهم الولايات المتحدة، ليس فقط لأن ثلاثين مليون اميركي يجدون فيها تراثهم، بل لأن القرن الحادي والعشرين يختلف وعلى اعمالنا ان تتماشى معه». وأكد ان «الولايات المتحدة قادرة على ان تلعب دورا حيويا في افريقيا ومن مصلحتها الوطنية ان تقوم بذلك». ويقول المحللون ان الاستراتيجية التي بدأت ادارة كلينتون تنفيذها، ثم طورتها ادارة بوش لاحقا، تقوم على أساس تنويع مصادر الطاقة، وذلك بالتركيز على القارتين الافريقية والاميركية، مما قد يتيح لها تقليص الاعتماد على نفط الشرق الاوسط، وهو هاجسها الدائم. والدول الافريقية التي تتعاون معها الولايات المتحدة هي: نيجيريا، انغولا، غينيا الاستوائية «والاخيرة تسيطر الشركات الاميركية على معظم قطاعها النفطي». كما باشرت الشركات الاميركية العمل في ثماني دول اخرى هي: المغرب، السنغال، ساحل العاج، غانا، الغابون، ناميبيا، مدغشقر، تشاد، الكاميرون «والاخيرة تصنف على انها ضمن دائرة النفوذ الفرنسي»، فضلا عن الاستثمارات النفطية الاميركية الضخمة في الجزائر. على ان احد مواقع التنافس الرئيسية بين الولايات المتحدة واوروبا قد يصبح نيجيريا. فضلا عن ان نيجيريا تعتبر اكبر مصدر للنفط في افريقيا، وسابع منتج في العالم، حيث تنتج نحو مليوني برميل في اليوم، فان الولايات المتحدة تستورد حاليا 10 في المئة من حاجتها النفطية من نيجيريا. ويقول الخبراء ان واشنطن تنوي رفع نسبة استيرادها من النفط الافريقي الى 25 في المئة خلال الاعوام المقبلة. ويقدر الاحتياط النفطي في القارة الافريقية بنحو 90 مليار برميل، مع وجود اكتشافات جديدة واعدة، ومن المعروف ان نيجيريا تعتبر احدى الركائز الاساسية لمنظمة الدول المصدرة للنفط «اوبك»، وربما تؤثر العلاقة النفطية الاميركية ـ النيجيرية المتنامية على مستقبل هذه المنظمة، حيث تسعى الولايات المتحدة الى اخفاقها، وبالتالي التأثير في سياساتها العالمية. مخاوف مستقبلية كذلك شهدت منطقة شمال افريقيا تنافسا حادا بين الولايات المتحدة وفرنسا، فبينما كانت هذه المنطقة تعتبر من مناطق النفوذ التقليدية لفرنسا، تقوم الولايات المتحدة بجهود واسعة منذ سنوات لتجعل من نفسها الشريك الرئيسي لدول الاتحاد المغربي (باستثناء ليبيا)، وذلك من خلال الاستثمارات الضخمة التي تنوي توظيفها، لا سيما في قطاع الطاقة الجزائري. كما تسعى واشنطن الى ايجاد تسوية لمشكلة الصحراء الغربية، مما يسهل تطوير العلاقات الجزائرية ـ المغربية من جهة، ويزيد من فرص تعزيز موقفها لدى الدولتين من جهة اخرى، ومن ناحيتها، تعمل فرنسا على زيادة مساعداتها المادية والتقنية الى الدول المغاربية، مباشرة، او عبر المؤسسات التي توفرها الشراكة الاوروبية ـ المتوسطية. ومن الملاحظ ان العلاقات الفرنسية ـ الجزائرية تحسنت كثيرا خلال الآونة الاخيرة، كما ان جهودا مماثلة تبذل لاحداث تحسن في العلاقات الفرنسية ـ الليبية. في كلمته الافتتاحية لجلسات قمة باريس الـ 22، اكد الرئيس جاك شيراك عزمه على «اعادة افريقيا الى صلب الاولويات الفرنسية». وأوضح ان فرنسا ستعبر عن هذا الاهتمام بزيادة حجم المساعدات التي تقدمها من اجل تطور افريقيا، من 3,0 في المئة من الناتج القومي الفرنسي حاليا الى 5,0 في المئة عام 2007 و7,0 في المئة عام 2012. واذا نظرنا الى هذه المعطيات في صورة موضوعين، ندرك بسهولة حقيقة التراكمات التي تضاعف من حدة التناقض الفرنسي ـ الاميركي في شأن موضوعات دولية عديدة، ابرزها في الوقت الراهن الموضوع العراقي. وطالما ان الادارة الاميركية قررت استخدام القوة ضد العراق، ولو في صورة انفرادية، بهدف تأكيد احاديتها القطبية وتنفيذ استراتيجيتها الاقتصادية ذات المضمون المهيمن الشامل، بغض النظر عن مواقف الاطراف الاخرى المتضررة، قد لا يكون بعيدا اليوم الذي نشهد فيه مواجهة مماثلة لما يحدث الآن حيال الموضوع العراقي، داخل القارة الافريقية، مباشرة او بواسطة قوى مغامرة موجودة تحت الطلب في افريقيا دائما. وازاء ذلك، ستكون باريس معذورة ان هي بدت قلقة ومتوجسة في كل مرة يتفجر فيها نزاع افريقي جديد.. كما يحدث الآن في ساحل العاج! ـ كاتب لبناني مقيم في فرنسا