الاربعاء 25 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 26 فبراير 2003 ترى هل اقتربنا من جنة الحرية المنشودة، وهل دقت طبول النصر تعلن عن وصول المشاهد العربي الى آفاق من المعرفة لم يكن ليصل اليها لو لم تفتح الفضائيات الباب على مصراعيه لتهب رياح التغيير الشامل للمسيرة الاعلامية في عالمنا العربي الكبير؟! لقد قبلت بعض المحطات الاعلامية الجادة تحدي اثبات الذات، ودخلت بثقل ملحوظ لتؤكد جدارتها في تحقيق رسالة اعلامية تواكب احداث الساعة وترصد الاخبار على مدار اليوم والليلة حتى يتحقق لها السبق الاعلامي الذي تريد. وقد حالفها التوفيق الى حد كبير في تحقيق هذا الهدف واستطاعت في فترة زمنية قياسية ان تحظى بثقة المشاهد وتستحوذ على وقته واهتمامه. الا ان ما يجب التنويه عليه هو ان هذا الزخم الاعلامي لم يستطع ان يغطي الا جزءا من الصورة الناقصة التي اهمل البحث عن الجزء الآخر منها منذ عقود طويلة. ومجمل الدور الذي ادته هذه المحطات الاخبارية لا يتجاوز ان يكون دوراً «تشخيصياً» للحالة السياسية الراهنة. ومما لا يخفى على العاقل ان التشخيص هو نصف الطريق الى التغيير، وليس هو المرحلة النهائية التي تسبق حدوث التغيير وتوصل اليه. وبشيء من التفصيل نقول: ان الدور التشخيصي الذي استطاع الاعلام الاخباري وبجدارة ان يؤديه قدم كنزا من المعلومات حول قضايا الساعة وهيأ لوجود وعي غير مسبوق بكثير من القضايا المحلية والدولية، كما اتاح للبعض ان يشعروا ـ لفترة من الوقت ـ انهم قد اقتربوا من نيل الحرية الموعودة التي هي احد المطالب الكبرى لاجراء تغيير جذري في واقع المجتمعات العربية. وبشيء من الاناة والهدوء وبعيداً عن الانفعال والتوتر علينا ان نختبر الاثر الحقيقي الذي افرزه هذا الاعلام على الارض قبل ان نصدر آراءنا النهائية حول فاعلية مثل هذا الدور الاعلامي الجديد خاصة وان العبرة ليست في الشعارات ولا في كثرة التحليلات لكن العبرة في النتائج العملية، وفي كفاءة تلك المواد الاعلامية على احداث التغيير المطلوب في الواقع. بطبيعة الحال فإن الجزء الثاني من الصورة الناقصة هو الذي يقدم العلاج، ويعرّف الجمهور على الخطوات العملية التي ينتقلون بها من فئة ذوي العقول المستريحة التي تصلها الاخبار وهي متكئة على الارائك الى فئة تساهم في صناعة الاحداث، وتتحرك على مختلف المستويات لانجاز مهماتها الكبيرة في خدمة قضايا الامة. لقد اخفق الاعلام المرئي اخفاقا ذريعا في تحديد تفاصيل الدور الدقيق الذي كان من المنتظر ان يؤديه بكل امانة وشفافية. وما اسقاط الطرح العلاجي من الرؤية الاعلامية الا دليل على محدودية الدور الذي يقوم به الاعلام المرئي مهما علا صوته وزاد نحيبه. ومن ابرز الشواهد التي تؤيد هذا الرأي تلك الملايين التي ختم على عقلها بالشمع الاحمر، بعد ان افهمها جهابذة التنظير السياسي، انه ليس ثمة دور تؤديه، وان وجودها كغيابها لن يساعد على تحريك الغيوم السوداء التي تغطي سماء المنطقة.! ترى ماذا نسمّى هذا التفريط في تقديم حلول عملية تشحذ همة المثقف، وتقوي ارادة المشاهد البسيط، وتحرك الجميع في اتجاه السير خطوات الى الامام بدلا من تكريس حالة الخوف والذعر والشعور بالهزيمة النفسية التي هي ابشع انواع الهزائم على الاطلاق؟ وما هو المسوغ لحصر المشاكل الراهنة في زاوية الفعل السياسي الذي يعاني من اعراض الشيخوخة والعجز منذ عقود طويلة؟! الا يماثل دور الاعلام في هذه الحالة دور دونكيشوت مصارع الطواحين الهوائية؟ الا تبدو كل الضربات الاعلامية ضعيفة وبعيدة عن الهدف المطلوب؟ وان ما يزيد الشعور بالمرارة والخيبة هو الانتقائية الشديدة للاشخاص الذين يُفوضون في تحليل الاوضاع القائمة بما يتناسب مع الرؤية الاعلامية التي تركز على المشكلة وتهمل عرض الحلول المناسبة لها. ومن ابرز صفات هؤلاء الذين يتم انتقاؤهم بعناية شديدة ليحلوا ضيوفا على اغلب المحطات الاخبارية انهم ينتمون لذات المدرسة البكائية التي لا تخرّج الا اشخاصا يتمتعون بمهارات خطابية لافتة تساعدهم على انجاز مهمتهم في ارباك المشاهد واشعاره بالعجز امام قسوة الاحداث. وهكذا يسدل ستار كثيف على عقل المشاهد يحول بينه وبين رؤية الضوء الذي يدله على الطريق، وتختفي الاصوات التي تمنحه الامل وتفتح له بابا على الفعل الايجابي الذي نتمناه!!