الثلاثاء 24 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 25 فبراير 2003 عندما أرغب الخلوة أقصد القرنة، غرب الاقصر، حيث كانت تقوم أضخم المعابد المصرية القديمة، وحيث قصور ملايين السنين، أي مقابر الملوك في الوادي الشهير، ومقابر الملكات، ثم مقابر النبلاء في منطقتين، دراع أبو النجا وشيخ عبد القرنة، ومقابر الفنانين في دير المدينة. قررت ان أمضى اجازة العيد في القرنة، أما الأسباب فعديدة، فمنذ ثلاثة أعوام أتردد بانتظام على جنوب مصر في محاولة لمعايشة الحضارة المصرية القديمة، وتدوين ملاحظات عديدة تشكل رؤية خاصة، كتبت وسأكتب بعض ثمارها في استراحة «البيان»، ربما أضمن هذه الرؤية يوما في كتاب، وربما تسفر عن عمل ابداعي، انني لا أقصد مكانا بعينه بهدف كتابة القصة أو الرواية، عندما تغربت لأول مرة في عام خمسة وستين من القرن الماضي، أمضيت سنة في احدى محافظات الصعيد لأسباب يطول شرحها، قال لي الاستاذ يحيى حقي قبل سفري ألا أتعمد الرؤية بهدف الكتابة عن الواقع، ان أترك عيني تطلعان على ما أراه وما أعانيه، كنت شديد الاعجاب بما كتبه عن الصعيد في مؤلفه البديع «خليها على الله» والذي جاء نتيجة تجربته كوكيل للنيابة في مدينة منفلوط خلال ثلاثينيات القرن الماضي، وقد أثمرت فترته هناك احدى أهم وأجمل المجموعات القصصية في الأدب المصري الحديث، وأعني مجموعة «ماء وطين»، نصيحة يحيى حقي صارت احدى أهم مواد دستور حياتي اذا جاز التعبير، وعندما ذهبت الى الجبهة كمراسل حربي بدءا من عام تسعة وستين من القرن الماضي، خلال حرب الاستنزاف، لم أفكر قط في كتابة القصة أو الرواية الى ان كتب الواقع نفسه بنفسه من خلالي، كتبت أول قصة قصيرة بعد حوالي عام من معايشتي لحرب الاستنزاف، انني ألبي احتياجي الداخلي أولا وأخيرا، وما ينتج عن التجربة بعد ذلك يجيء تلقائيا، هذا ما يحكم ترددي على الجنوب خلال الاعوام الأخيرة أستريح الى السفر اليه وأصبح أكثر ثراء في الوقت نفسه أعزف عن السفر الى الخارج، الا لضرورة قصوى، ربما بسبب التقدم في العمر، والجنوب مسقط رأسي، ومنبع تكويني، ومفرداته تشكل مفردات رؤيتي الماضية والحالية. فهل يحن الانسان الى بداياته قرب نهايته؟ أو كما عبر مولانا محيي الدين ابن عربي، هل يحن طرف الدائرة الى بدايته عندما يوشك على التماس؟ أذكر ان المرحوم مصطفى أمين قال لي منذ حوالي عشرين عاما ان الذاكرة مع التقدم في العمر ترى بوضوح السنوات الأولى، يصبح الانسان أقدر على استعادة التفاصيل المرتبطة بسنوات العمر الأولى، فيما بعد أدركت صحة ذلك، ومع استعادتها يقوى الحنين. حنين الى الجنوب اذن في ازدياد، وبالنسبة لي لا يعد مكانا جغرافيا فقط مرتبطاً بطفولتي، وصباي، لكنه زمان أيضا، اذ قضت الظروف ان تكون آثار الأقدمين المحفوظة في الجنوب، بدءا من سقارة جنوبي اهرام الجيزة، والى معبد أبوسنبل على حدود مصر الجنوبية، لقد ولدت في قرية جهينة الغربية التي تقع على حافة الصحراء الغربية وهذا من خصائص الصعيد، الانسان يمكنه ان يقف في موضع بحيث تصبح قدمه في الأرض المزروعة بلونها الأخضر وكل ما يعنيه من حياة وخصب، والاخرى في الصحراء بكل دلالات الجدب، يتجاور اللونان في الجنوب، خاصة فيما يلي محافظة أسيوط التي تبعد عن القاهرة حوالي ثلاثمئة وخمسين كيلومترا، وأعتبرها نقطة فاصلة بين الصعيد الأعلى والصعيد الأدنى، بعد تجاوزها يبدأ الوادي في الوضوح، من نافذة القطار يمكن رؤية الصحراء الغربية والشرقية، الأرض المزروعة شريط ضيق، ومن الطائرة يبدو الوضوح بصورة أدق وأوضح، نفهم عندئذ الحقيقة القائلة ان المصريين يعيشون فوق أربعة في المئة فقط من أراضي مصر، أما الباقي فصحراء تحاول الأيدي المعمرة انتزاع اليسير منها، ولكن ما تفقده الأراضي الزراعية بسبب الكثافة السكانية واتساع رقعة المباني، والبناء في مناطق أصبحت آمنة من فيضان النيل بعد ان اكتمل السد العالي وأصبح التحكم فيه تاما، جعل ما يتم فقده يعادل ان لم يتجاوز ما يتم اصلاحه. تقع جهينة على بعد ثمانية كيلو مترات من مدينة طهطا التي أنجبت الأب الشرعي للثقافة المصرية الحديثة رفاعة الطهطاوي، وحتى عام ثمانية وخمسين من القرن العشرين كانت القرية تتبع اداريا مركز طهطا ولكنها منذ ذلك التاريخ أصبحت مركزا مستقلا، ومدينة، أصبح بها مدارس ابتدائية وثانوية ومستشفى وقصر ثقافة، وخلال السنوات الأخيرة فقدت جزءا كبيرا من أراضيها الزراعية نتيجة اتساع رقعة البناء، وظهور المباني المرتفعة المبنية من الخرسانة المسلحة والتي لا تناسب المناخ الحار للصعيد، أدى ذلك الى فقدان معظم القرى المصرية شخصيتها المعمارية، بالطبع زيادة السكان وعدد أفراد الأسر يؤدي الى التوسع الرأسي وهذا ما لا يتحمله النظام القديم، ولو قدر للمعماري العبقري حسن فتحي ان يعود الى الحياة ويرى ما حل بقريته لسقط صعقا، نصف البيوت التي بناها وأبدع تصميماتها هدمها الأهالي وشيدوا بدلا منها مباني خرسانية، ارتفعت عدة طوابق لاسكان الأبناء الذين تزوجوا وأنجبوا. ونقطع مساحة يبلغ طولها حوالي كيلومتر الى أرض تتدرج في الصعود، مرتفع بنيت فوقه البيوت للاحتماء من مياه الفيضان، وكانت الأرض كلها مزروعة، رائحة أشجار التين والجوافة والعنب والحقول المزروعة بالذرة والسمسم وأشجار النخيل لا تزال ركنا ركينا من ذاكرتي، الآن هذه المساحة كلها أقيمت فوقها المباني، أما النخيل الذي يمنح الطبيعة في الصعيد خصوصية فريدة فيبدو الاهمال واضحا في الجريد الذي لم يقلم لعدة سنوات، كان هناك متخصصون في سلقه، يربط كل منهم وسطه بحبل ويصعد بسرعة الى أعلى حيث يتم حلق النخلة أي تجريدها من الجريد والسعف الذي تسرب اليه البلي، كذلك اجراء عملية التلقيح بنقل البذور من النخيل الذكر الى الشجيرات الأنثى، ما من شجرة تثير عندي الحنين مثل النخيل بثباتها، وفرادتها وسوقها، للأسف قلت الاعداد المزروعة منها في جهينة، كان والدي يمتلك حوالي مئة وخمسين نخلة آلت كلها اليه بالميراث، ولم تكن متجاورة في مكان واحد، بل موزعة، كان يصحبني ويشير الى نخلة معينة وسط نخلات أخرى ويقول «هذه لك». بعد رحيله لم أهتم وفقدت مواضعها، وخجلت ان أسأل عنها الأقارب، فقدت آثارها. لجهينة المنزلة الأولى عندي، فيها تنسمت الانفاس الاولى، وترددت صرختي الأولى في هذا الكون، مازال بيت خالي الذي ولدت فيه قائما انه ينتمي الى البناء القديم، من الطوب الني، أوكما يسميها الأهل خلال السنوات الأخيرة طوبة خضراء تمييزا لها عن الطوبة الحمراء التي تتخلل أعمدة المسلح والاسمنت، استجاب الاهل لرغبتي وابقوا على البيت رغم انتقالهم الى عمارة حديثة مكونة من عدة طوابق بنوها فوق جزء من أرض زراعية ملك لهم. البيت مغلق أقيم فيه عند ذهابي الى مسقط رأسي وخلال مكوثي فيه أتلمس الذكرى واصغي الى الاصوات المندثرة، لعل وعسى. جهينة قبيلة عربية أصيلة، حاربت تحت لواء الرسول عليه الصلاة والسلام.ودخلت مصر مع قبائل الفتح العربي، استقر جزء منها في الوجه البحري، بمدينة فاقوس، محافظة الشرقية الآن والى هذا الجزء ينتمي عمنا الكاتب الكبير محمود عودة. القسم الأكبر استقر في محافظة سوهاج الآن، معظمه غرب النيل واليه أنتمي، يوجد جزء جهيني في الشرق، والشرق والغرب هنا بالنسبة للنيل، تماما كما كان الأمر في مصر القديمة، فالنهر هو الأساس، وهو عماد الحياة والدولة. ولم أزر جهينة الشرقية حتى الآن رغم ترددي المنتظم على المدينة العريقة أخميم التي تقع في الشرق، والتي توجد بها آثار مصرية فرعونية وقبطية واسلامية نادرة، لكنها لم تأخذ موضعها حتى الآن على خريطة الآثار المصرية، وعندما قرأت تاريخ قبيلة جهينة عرفت ان بعض جذورها لا تزال في الحجاز بالمملكة العربية السعودية بالتحديد في منطقة ينبع، كذلك يوجد جزء آخر دخل السودان ونشر الاسلام به. يشتهر أهل جهينة بالخبر اليقين كما سارت الأمثال، وبالكرم، في جهينة لكل أسرة مقتدرة مكان للضيافة نطلق عليه اسم «مندرة» مزودة بالفراش المريح وتزود بالطعام خلال المواعيد الثلاثة، في الماضي قبل ظهور الجماعات المتطرفة كان الغريب الذي لا يعرفه أحد يتم استضافته لمدة ثلاثة أيام، في آخرها يوجه اليه السؤال: من هو وما هي وجهته؟ كان للضيافة أصول ومفاهيم، كانت جزءا من ثقافة الحياة اليومية للناس، واذا كان الكرم الجهيني يشمل الغريب، فما البال بالقريب، بالابن الذي يعتبره الاهل نابغة ويتباهون به؟ هذا لن يتيح لي الانفراد، ولن يسمح لي بالخلوة التي أتمناها، بمجرد وصولي الى البلدة أمشي بخطى أبي، أبي الذي أمضى عمره في المجاملات، أستعيد طقوسه عند عودته الى جهينة، الزيارات التي كان يقوم بها وأعيدها مع اختلاف الناس، أسلم على الابناء الذين خلفوا الآباء، وحذار من النسيان، أو الاعتذار عن تلبية دعوات أبناء العمومة وأقاربي من ناحية أمي، الكرم سمة أساسية، بارزة، وأحد مظاهر الكرم الذبح، أي ذبح طائرأو أوزة أو عجل صغير نسميه في جهينة (البطش)، فوق الموائد تقدم اللحوم بأنواعها، حمام محشي بالفريك أي القمح الأخضر، والبط والأوز، تماما كما أراه في مقابر الأقدمين مرسوما على الجدران، أما اللحوم فمذاقها طيب، لا مثيل له في أي مكان، لا تزال الماشية تنمو على حشائش طبيعية خصبة، يقدم اللحم محمرا بالسمن البلدي الغزير، أومشويا، أو مسلوقا في النادر، والمشكلة بالنسبة لي أنني لا أستطيع ان آكل مثل الزمن القديم، عدم الأكل يقابله الاهل بعدم ارتياح، أحاول ان أشرح ظروفي الصحية التي تقضي بتجنب الطعام الدسم، لكنني أواجه برجاءات عديدة «كل دي علشان خاطري» أو «طيب الحمامة دي بس». وقد يصر أحدهم ويقسم يمينا، عندئذ لن يصبح بوسعي الا ان ألبي، يحدث هذا في زياراتي خلال الأيام العادية، فما البال والعيد هو الكبير، العيد الذي يفطر فيه القوم بعد أداء الصلاة لحم الضأن. حتى تكتمل الخلوة، رتبت أشيائي في حقيبة صغيرة، حاجات تلبي الأيام الأربعة التي سأقضيها هناك في الجنوب، في القرنة، بالبر الغربي، في القرنة سوف أقيم في بيت يماثل تماما البيت الذي ولدت فيه، أعده صاحبه للاقامة المريحة، تطل نافذة الحجرة التي أفضلها في الطابق الثاني على سعف نخيل أخضر جميل، أتدثر به عندما أستيقظ أو عندما أطلب الراحة عصرا، في القرنة أكون في جهينة أيضا ولا أكون، يكتمل انفرادي بنفسي، أما النهارات فأقضيها مع ابداعات الأقدمين، متأملا الاستيعاب والفهم.