الثلاثاء 24 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 25 فبراير 2003 ما سر ظاهرة حركة الاحتجاج الشعبي في الولايات المتحدة؟ وهل هي ظاهرة نبعت على نحو فجائي كما يبدو ظاهريا؟ ولماذا أخذت جماهير الشعب الأميركي الذي اشتهر عنه اللامبالاة تهتم بقضايا السياسة الخارجية.. كالقضية العراقية مثلا؟ مثل هذه الاسئلة يجيب عنها أستاذ جامعي أميركي هو البروفسور روبرت جنسن أستاذ الصحافة في جامعة تكساس، في مقالة له نشرت في «نيويورك تايمز» الأسبوع الماضي. يقول البروفيسور جنسن: ان جماهير الشعب الأميركي ظلت حتى قبل أقل من عام لا تعنى كثيراً حتى بالقضايا العامة الداخلية فضلا عن القضايا الخارجية، وأن هذه اللامبالاة جعلت المؤسسات التي «تتحكم في حياتنا» تتحرر من قيود المحاسبة الشعبية، خاصة خلال السنوات العشر الأخيرة. غير أن هذا الوضع أخذ يتغير في اعقاب أحداث سبتمبر عام 2001 وكأنما ايقظت هذه الأحداث الشارع الأميركي من سبات عميق وطويل. كانت أحداث سبتمبر حدا فاصلا بين عهد وعهد ولكن ليس كما أرادت الطبقة الحاكمة. ويقول البروفسور جنسن ان هذه الأحداث وضعت كل مواطن أميركي، مهما كان مستوى وعيه السياسي متواضعا، وجها لوجه أمام سؤال كبير: لماذا حدث هذا؟ خلال الشهور التالية منذ سبتمبر 2001 أخذت تتبلور قناعة عامة في الشارع الأميركي بأن استقصاء أهداف أميركية داخل الأراضي الأميركية ـ بغض النظر عن الجهة الخارجية المدبرة ـ لايمكن إلا أن يكون رد فعل على جانب ما من جوانب السياسة الخارجية للولايات المتحدة وتحديداً التحرك الأميركي على صعيد قضية الشرق الأوسط. ويستعرض البروفسور عناصر التحول السياسي الذي طرأ على الشارع الأميركي كنتيجة لأحداث سبتمبر وتداعياتها كما يلي: ـ أولا: ان كل أميركي عادي بات الآن يرى أن السياسة الخارجية لها تأثير مباشر على الحياة والناس داخل الولايات المتحدة. ـ ثانيا: ان جماهير الشعب الأميركي أصبحت تقتنع يوما بعد يوم بأن اداراتهم تمارس الكذب عليهم لدرجة التلفيق الكامل. ويشير البروفسور جنسن في هذا السياق إلى دور انتشار «الانترنت» كبديل بات متاحاً للجميع عن وسائل الإعلام الأميركي الانحيازي. ويستشهد البروفسور باستطلاعات الرأي المتتابعة التي تعكس ان المزيد والمزيد من جماهير المواطنين الأميركيين يعتقدون ان إدارة بوش لجأت إلى التلفيق والكذب الصريح لتبرير حربها المزمعة على العراق. فالشعب الأميركي لم يعد ببساطة يصدق أن العراق يمثل خطراً على جيرانه أوعلى أميركا. هل يؤثر تحرك الشارع الأميركي على سياسات وقرارات إدارة بوش؟ هذا سؤال ثان يطرحه البروفسور جنسن استاذ الصحافة في جامعة تكساس. وللاجابة عن التساؤل يقول البروفسور: أولا ان الشارع الأميركي استرد ثقته في قدرته على تغيير الأوضاع. وباستخدام عبارة «استرداد» الثقة يشير البروفسور الى فوران الشارع الأميركي خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي وتبخر هذه الثقة مع استرخاء المشاعر الشعبية للمرحلة التالية التي استمرت حتى وقوع احداث سبتمبر 2001. وربما يبدو لنا ان إدارة بوش ليست مكترثة بانبعاث الشارع الأميركي الآن على نحو ما تعكس المظاهرات الضخمة في كافة المدن الأميركية الكبيرة. وعدم الاكتراث هذا تعكسه تصريحات إعلامية صدرت عن الرئيس وبعض كبار مساعديه مثل كوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي. لكن البروفسور جنسن يقول ان ما يجهر به أقطاب الإدارة لا يعكس حقيقة موقفهم، فهم يتوجسون في الخفاء مما يجرى على صعيد الشارع ويتابعون ما يجرى بغير قليل من العصبية. ويحيلنا البروفسور إلى التاريخ القريب عندما أعد الرئيس ريتشارد نيكسون في عام 1969 إبان الحرب الفيتنامية خطة سرية للتصعيد العسكري تتضمن استخدام اسلحة نووية حدد لتنفيذها اليوم الأول من نوفمبر من ذلك العام. لكن في 15 اكتوبر خرجت مظاهرة ضخمة في واشنطن العاصمة قوامها نصف مليون، وسرعان ما تبعتها مظاهرات بملايين المشاركين في كافة انحاء البلاد تحت شعار «يوم فيتنام». وكانت النتيجة ان الرئيس نيكسون ألغى الخطة السرية. ولم يعلم الجمهور الأميركي بهذه الحقيقة إلا بعد عدة سنين لاحقة. والسؤال الآن هو: هل يستخلص الرئيس بوش دروس التاريخ القريب قبل فوات الأوان؟