الثلاثاء 24 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 25 فبراير 2003 استعملت عبارة «ضمير الإنسانية» في الاجتماع التاريخي الذي عقده مجلس الأمن يوم الجمعة 15 فبراير أكثر من عشرين مرة.. على لسان أغلب المتحدثين بعد تقريري هانس بليكس ومحمد البرادعي حول نتائج عمليات التفتيش في العراق. لكن هل أعطى كل المتحدثين نفس المعنى لعبارة «ضمير الإنسانية» أو «الضمير العالمي»؟ لا بالطبع، بالرغم من ان المعنى الفلسفي المتعارف عليه في الأدبيات السياسية أو في القواميس والمجامع والمعاجم هو معنى واحد لا يتطرق إليه الشكل او تعوقه الشبهة. فالضمير العالمي هو منظومة القيم الأخلاقية التي يعتنقها أكبر عدد ممكن من الناس الذين يشكلون الرأي العام العالمي.. وهو كذلك منظومة المثالب الأخلاقية التي يأباها ويرفضها أكبر عدد ممكن من الناس.. وإذا حاولنا تحديد أبرزها فنقول إن القيم المطلوبة هي العدالة والحرية والمساواة وحقوق الإنسان وحقوق الشعوب وضرورة الأمن واحترام الحياة وحماية الطفولة والدفاع عن البيئة وصيانة الضعيف ونجدة المحتاج وإقرار التعاون الدولي وتنمية العلوم وتشجيع المكتشفات والقبول بالاختلاف والرأي الآخر واستقلال القضاء ودعم الابداع الثقافي والعلمي.. إلى آخر هذه المثل العليا المتفق عليها بدون احتراز أو تحفظ في كل الدساتير الوطنية والمواثيق الاقليمية والمعاهدات الدولية.. حتى وإن لم تطبق جزئيا أو كلياً.. وعادة بالطبع فهي لاتطبق. أما منظومة المثالب المرفوضة فهي بكل بساطة نقائض للمنظومة الأولى.. أي المظالم والاستبداد وهضم حقوق الإنسان والتجاوز على حقوق الشعوب في تقرير مصيرها واخضاعها بقوة الحديد والنار وقهر المستضعفين وإبادة الأبرياء وجرف البيوت وقلع الزرع وانتهاك العرض وشيوع التعذيب وتجييش الجيوش بالمبالغ الضخمة على حساب التعليم والثقافة والقضاء على رئتي الكون اللتين يتنفس بهما العالم وهما البحار والغابات.. إلى آخر هذه المثالب. وبالتالي فإن تعبير «ضمير الانسانية» هوالتعبير الجامع لهذه الثوابت قبولاً ورفضاً. لكن دومينيك دوفيلبان وزير خارجية فرنسا وكولن باول وزير خارجية أميركا لم يتفقا على تحديد مفهوم الضمير ولا حتى على محتوى كلمة السلام أو كلمة الديمقراطية. فكان الأول الفرنسي يستعمل تراث الثورة الفرنسية وتقاليد عصر التنوير الباريسي لدى فلاسفة عظام أمثال فولتير وروسو ومونتسكيو، بينما كان الثاني الأميركي يستعلم عقيدة الآباء المؤسسين للدولة الأميركية الفيدرالية أمثال جورج واشنطن وابراهام لنكولن وودرو ويلسن. وإذا ما حللنا المفهومين نجد اختلافاً في المقاربة الفلسفية والسياسية لمعنى الضمير وتحديداً في التعامل مع الحالة العراقية الراهنة. فبينما يتكلم الوزير الفرنسي عن تلك المباديء السامية ـ وخاصة مبدأ السلام ـ في اطار حق الإنسانية جميعاً في الوقاية من الحروب المدمرة دون اهمال هدف الأزمة الذي هو نزع سلاح الدمار الشامل وتجنيب منطقة الشرق الأوسط مصائب الاستبداد والقهر.. يرى الوزير الأميركي، وبصورة أقل حدة الوزير البريطاني، بأن الحرب الوقائية تتطابق مع اخلاق الضمير العالمي ومع القانون الدولي، بالرغم من أن فريقي التفتيش لم يقدما أي مبرر للحرب يتعلق بمخالفات عراقية جديدة لقرارات مجلس الأمن وتحديداً للقرار 1441، وبالتالي فإن أميركا لا ترى حرجاً في توظيف وقتها العسكرية وربما توظيف قوة حلف شمال الأطلسي للوقاية من أحداث تسميها واشنطن «ارهابية»، حتى ولو لم تقم على احتمالها حجة دامغة. وعندما تكلم مندوب الصين وهي قوة عظمى اقتصادية وربما اخلاقية، فقد فكك طلاسم تلك التناقضات الأميركية موضحاً ان اهداف الحرب المعلنة ـ أميركيا ـ هي غير الأهداف الحقيقية والتي اصبحت معروفة، والتي أعلن يوشكا فيشر وزير خارجية ألمانيا أن الاتحاد الأوروبي يرفض الانخراط فيها لأنها مخالفة بصراحة للضمير الإنساني.. فالأمر يتعلق حسب الوزير الألماني بتوظيف القوة وتجييش منظمة الأمم المتحدة لخدمة مصالح فئة من فئات الولايات المتحدة، ألا وهي فئة الشركات النفطية ومن يحمي مصالحها في مستوى الإدارة الأميركية الحالية. وللعلم فإن يوشكا فيشر هو مناضل من أجل السلام منذ أحداث مايو 1968 في أوروبا حيث كان ناشطاً وملاحقا من قبل البوليس لاعتناقه مباديء السلام، وهو في ذلك العهد ما كان يعني مناهضة الاحتلال الأميركي لألمانيا الذي دام خمسين عاماً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945. كما ان وزير الخارجية الفرنسي دومينيك دوفيلبان كان في مطلع السبعينيات مناضلا ضد حرب فيتنام أي ضد تدخل اميركا في مصير شعوب تبعد عنها 15 ألف كيلو متر وهذه الخلفية التاريخية لكل من هذين الرجلين الفرنسي والألماني لابد أنها تشرح بعض الشيء موقفي فرنسا وألمانيا تجاه عقيدة أميركية محض لا تشاركها فيها حتى فصائل الحزب الحاكم في أميركا: الحزب الجمهوري، والحزب الحاكم في المملكة البريطانية: حزب العمال. ولهذه الأسباب يمكن أن نسأل نحن العرب المعنيين مباشرة بالكارثة قائلين: هذا الكون ما ضميره.. هل ضميره في ميثاق ومباديء المنظمة الأهمية التي فوضاها جميعا لادارة الازمات؟ ام ضميره لدى الادارة الأميركية لوحدها؟! ـ استاذ في قسم الإعلام ـ جامعة قطر