الثلاثاء 24 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 25 فبراير 2003 يروى انه عندما استقبل الرئيس الفرنسي شارل ديغول المندوب الاميركي في الامم المتحدة ادلاي ستيفنسون، في عز أزمة خليج الخنازير بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي العام 1961، رفض ديغول الاطلاع على ما حمله ستيفنسون من صور ووثائق عن الصواريخ السوفييتية في كوبا وقال له: انتم دولة كبرى، ولا يمكن تصور ان تشنوا حربا تعرضون فيها انفسكم والعالم لحرب كونية، وربما نووية، من دون ان تكون لديكم ادلة كافية. هذه المرة، وفي الازمة الحالية مع العراق، يختلف الامر بين باريس وواشنطن عما كان عليه يومها، المشهد في جلسة مجلس الامن الدولي الاخيرة، ضمن مشاهد اخرى، قال ذلك بصوت عال لا تخطئه لا عين ولا اذن. فبغض النظر عن مدى دقة الصور والتسجيلات الهاتفية التي استند اليها وزير الخارجية الاميركي كولن باول، في كلمته امام مجلس الامن في الخامس من فبراير، ليست هناك مخاطر نشوب حرب عالمية من ناحية، ولا هناك تهديد مباشر للاراضي الاميركية كما كان الحال مع الصواريخ في كوبا من ناحية ثانية، فضلا عن انه لا تقف وراء العراق قوة عظمى مقابلة من ناحية ثالثة، يضاف الى ذلك، ان الحرب الاميركية ضد العراق هي من نوع الحروب التي قد يكون لها مبرر الا ان لتجنب حدوثها اكثر من داع ومبرر في الوقت ذاته. فروقات جوهرية من هذه الزاوية يمكن لفرنسا، فضلا عن المانيا وروسيا والصين وغيرها من دول العالم، ان تلمس الفروقات الجوهرية في السياسة - وطبعا في الادلة المادية من صور وتسجيلات - بين القضية التي دافع عنها ستيفنسون في الستينيات وانتهت لاحقا الى تسوية سياسية، وتلك التي حاول ان يدافع عنها باول اخيرا. والمسألة هنا ليست فرنسية، سواء بالنسبة لديغول لو انه كان لا يزال حيا او بالنسبة للرئيس الديغولي الحالي لفرنسا جاك شيراك، ولا هي اوروبية - او بعض اوروبية -، ولا هي عربية طبعا، انها، ضمن اشياء اخرى، مسألة قانونية، وحتى حقوقية وقضائية، اقله من وجهة النظر التي اعتمدها باول في خطابه في مجلس الامن، فنظرية باول تقوم على ان العراق «فشل» في تبرئة نفسه من تهمة حيازة اسلحة الدمار الشامل، او السعي لحيازتها، ليقدم ضده بالتالي لائحة اتهام تستند الى مقولة يفترض انها انتهت بانتهاء القرون الوسطى هي ان «المتهم مدان حتى تثبت براءته»... وبالمفهوم الاميركي لحالة العراق، حتى يثبت هو براءته.!! لم يقل باول عن الصور والتسجيلات التي قدمها للمجلس، على فرض صحتها، الا انها تبين «تهرب» العراق من اعطاء الدليل على انه لا يملك مثل هذه الاسلحة، والا ان هناك شيئا ما يحاول نظامه ان «يخفيه» عن المفتشين الدوليين ثم على فرض صحة ذلك كله، فلا بد من ملاحظة ان العرض الذي قدمه باول خلا من اي دليل على وجود مثل تلك الاسلحة في العراق، اي بما يناقض تماما القاعدة الحقوقية التي تقول ان «البينة على المدعي». لا يصح هنا قول باول، وغيره من المسئولين الاميركيين والبريطانيين، ان العراق مطالب منذ العام 1991 بنزع اسلحته المحظورة تلقائيا وان هناك قرارات عدة من مجلس الامن حول هذه النقطة مثل هذا القول يتعارض مع نظام التفتيش الذي اقامته تلك القرارات، ويتعارض خاصة مع العمل الذي قام به المفتشون على امتداد الفترة التي سبقت العام 1998 عندما دمروا هم، باعتراف واشنطن ومجلس الامن والمفتشين اياهم، معظم - ان لم يكن كل - ما انتجه العراق قبل ذلك من اسلحة بيولوجية وكيميائية وجرثومية وما عمل عليه من برامج نووية. خطاب دعائي ولا يصح كذلك ادعاء باول ان العراق لم يتعاون في السابق، ولا هو يتعاون حاليا، «بما فيه الكفاية» مع المفتشين اذ يحتاج الوزير الاميركي، وحتى رئيس هيئة التفتيش «انموفيك» هانز بليكس الذي تحدث عن ذلك، الى ايضاح اي طلبات أو اسئلة وجهت الى العراق ورفضها او لم يكن متعاونا حولها، وبيان اية معلومات تفصيلية كان المفتشون يريدونها ولم يقبل العراقيون بها او رفضوا تقديمها، هذا من جهة، ومن جهة اخرى فاذا كان نظام بغداد يدعي بأنه لم يعد يملك اية اسلحة للدمار الشامل، وبانه يتحدى المفتشين ان يثبتوا العكس، واذا كانت واشنطن ولندن تدعيان في المقابل ان بغداد تلعب مع المفتشين «لعبة القط والفأر» وانها تسعى لكسب الوقت لعل وعسى، فهل يبقى من مبرر اذن للاصرار الاميركي على شن حرب سريعة ومدمرة قبل ان تنهي لجان التفتيش عملها، وخصوصا قبل ان يقرر مجلس الامن الذي انشأ نظام التفتيش وفوضه صلاحيات بموجب القرار 1441 ماذا، وكيف، ومتى ستكون الخطوة التالية ؟! لا جديد في القول ان الولايات المتحدة اتخذت منذ زمن بعيد قرارا بغزو العراق، وانها اعلنت بكل وضوح انها ستنفذ هذا الغزو من دون تفويض من الكونغرس او حتى قرار من مجلس الامن، وانها تتحدث يوميا في هذه الفترة انها ستقوم به من ضمن «تحالف دولي» او منفردة، وانها تبحث جاهدة عن حجة او ذريعة للقيام به. الجديد هو ان واشنطن تستخدم المنظمة الدولية للأمم المتحدة ومجلس الامن كمنبر للدعاية المفضوحة «البروباغندا» من اجل هذه الغاية، كما اتفقت معظم المقالات التي تناولت خطاب باول بالتعليق، لاقناع الرأي العام باعلان الحرب المسبق هذا «كان باول ناجحا في مخاطبته الرأي العام الاميركي من على منبر مجلس الامن»، هذا ما قالته معظم التعليقات على خطاب وزير الخارجية الاميركي، بينما لم يكن ناجحا على الاطلاق في اقناع احد في العالم بذلك لا على مستوى الحكومات ولا على مستوى الشعوب. والجديد ايضا هو انها لا تتورع عن الصاق التهم الشنيعة بكل من يناهض موقفها من الحرب. «محورة» الاعداء ففرنسا والمانيا، في رأي وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، يرمزان فقط الى ما وصفه بـ «اوروبا القديمة» تمييزا لها عن اوروبا الجديدة بعد انتهاء تقسيمها الى شرقية وغربية مع ان كاتبا اميركيا مرموقا - غراهام فولار - تساءل بمقال له في «الانترناشيونال هيرالد تريبيون» ما اذا كانت الولايات المتحدة، في سياستها التي لا تأخذ في الاعتبار حقائق العالم الجديد بعد انتهاء الحرب الباردة، هي «اميركا القديمة» ام هي اوروبا التي تمثلها فرنسا والمانيا. والثلاثي المكون من فرنسا والمانيا وبلجيكا، في موقفه من الخطة الاميركية الداعية لنشر مظلة عسكرية اطلسية فوق تركيا في حال نشوب الحرب، في رأي واشنطن، ليس أكثر من «محور» آخر يضم الى «محور الشر» المكون من العراق وكوريا الشمالية وايران ومع ان الادارة الاميركية لم تلصق بهذا «المحور» صفة الشر، او اية صفة اخرى بعد، فليس مستبعدا اضافة نعت مشابه الى هذا الثلاثي في المستقبل اذا ما استمرت الامور على ما هي عليه في مجلس الامن وداخل حلف الاطلسي. وجاك شيراك، في نظر الرئيس جورج دبليو بوش، هو سياسي «قصير النظر»، اما المستشار الالماني غيرهارد شرويدر فهو ناكر للجميل، وينبغي، كما تنقل «النيويورك تايمز» عن مسئولين اميركيين، معاقبته على تمرده بطريقتين معا: السعي لاقصائه عن السلطة في بلاده من ناحية، وسحب القوات الاميركية المتواجدة في المانيا (70 الف جندي مع عائلاتهم) لنزع مظلة الحماية عنها وحرمانها من الاموال التي تنفقها هذه القوات فيها دعما لاقتصادها. ومحور «اوروبا القديمة» الجديد، في رأي صقور الادارة الاميركية، هو محور معزول في اوروبا بعد بيان الدول الاوروبية الثماني المؤيد لواشنطن في الحرب، اضافة الى مواقف دول الكتلة السوفييتية السابقة التي انضمت الى حلف الاطلسي وتلك التي انضمت الى الاتحاد الاوروبي، يقال ذلك مع ان في واشنطن ولندن وغيرهما من دول العالم من يجادل بقوة ضد هذا الرأي، من بينهم على سبيل المثال الكاتب الاميركي وليم بفاف الذي يقول ان 80 في المئة من مواطني الدول الثماني يرفضون مواقف حكوماتهم المؤيد للحرب وان 70 في المئة على الاقل في الدول السوفييتية السابقة (بلغاريا وبولندا وهنغاريا) يؤيدون البحث عن تسوية سلمية للازمة مع العراق وحتى في بريطانيا ذاتها، فكان ذا دلالة مقال صحيفة «الاندبندنت» الذي تحدث يوم الخميس الماضي عن المعارضة المتصاعدة لرئيس الوزراء توني بلير في داخل حزبه (حزب العمال) وفي الحزبين الآخرين (حزب المحافظين وحزب الاحرار)، وكان عنوانه «بلير مطوق عمليا من كل الجهات». ما الذي يعنيه ذلك كله! لا معنى لهذه الوقائع الا ان حرب الولايات المتحدة على العراق، هذه الحرب التي يبدو للآن انها واقعة برغم الرفض العالمي شبه الاجماعي لها ـ وعشرات الملايين الذين نزلوا الى شوارع مدن العالم السبت قبل الماضي اعلنت عن ذلك ـ هي حرب من دون شعبية في العالم، بل وضد ارادة الرأي العام فيه.. بما في ذلك في الولايات المتحدة نفسها. في المقابل، فعندما يرفع مناهضو الحرب شعارا واحدا هو «اعطوا السلام فرصة أخرى»، او «اعطوا المفتشين مهلة اضافية»، فهم لا يرفضون استخدام القوة هكذا بالمطلق بل يرفضون هذه الحرب بالذات لأنها تقوم على الصلف والعدوانية المبيتة اولا، ولأن ما تحاول الولايات المتحدة ايجاده من تبريرات لها هو لتغطية الصلف والعدوانية فقط لا غير. شهية الحرب بين المقولات الاميركية الرائجة، ترويجا للديمقراطية على النسق الغربي، ان الحروب في العالم لم تكن يوما من صنع الانظمة الديمقراطية فيه بل كانت على الدوام نتاج الديكتاتوريات مبرر هذه المقولة ان طبيعة الديمقراطيات تجعلها تأخذ في الاعتبار مشاعر الرأي العام المعارض بطبيعته لسفك الدماء المرافق للحروب. فأية ديمقراطية هي هذه الديمقراطية الاميركية، وتلك البريطانية، حتى لا نتحدث عن غيرهما من الديمقراطيات في اسبانيا وايطاليا والدانمارك وسواها، التي لا تعير اهتماما للرأي العام وتصر على ان تتجه بصلف لشن حرب ليس لها من وصف الا انها ظالمة ؟! وبين المقولات الاميركية ايضا التزام المواثيق الدولية، واحترام حقوق الدول في تقرير سياساتها، وحقوق الشعوب في اختيار انظمتها وقياداتها، بما لا يتفق بتاتا مع مواقف واشنطن من باريس وبرلين وموسكو وبكين - حتى لا نتحدث عن مواقف العواصم العربية التي لا تؤخذ في اي حسبان اميركي - من الحرب المعلنة ضد العراق. فأي التزام بالمواثيق، واي احترام لحقوق الدول والشعوب، هو ما تمارسه واشنطن بوش حاليا ليس فيما يتصل بالامم المتحدة ومجلس الامن الدولي فقط وانما ايضا فيما يتصل بحلف شمالي الاطلسي الذي تعتبره «اهم تحالف سياسي وعسكري في تاريخ البشرية» فضلا عن منظومة ما تسميه بـ «القيم الغربية» التي تجمعها مع اوروبا ؟! انها شهية الحرب، وليس اي شيء آخر، هي التي تقود الولايات المتحدة وتعمي ابصار الطاقم الحاكم فيها في هذه اللحظة التاريخية من عمر البشرية ولا ينفع مع هذه الشهية للحرب اي كلام يعتمد العقل او المنطق. لم يجد وزير الخارجية الاميركي كولن باول ما يقوله، في جلسة مجلس الامن الاخيرة، ردا على اعتزاز وزير الخارجية الفرنسي بأنه يتحدث باسم «فرنسا القديمة، في القارة الاوروبية القديمة» ثم على مزايدة وزير الخارجية البريطاني جاك سترو بأنه يتحدث باسم «بريطانيا القديمة للغاية»، الا ترديد انه يمثل «اقدم ديمقراطية» في العالم برغم ان بلاده تعتبر من ناحية العمر دولة جديدة. لكنها «اميركا القديمة»، كما قال غراهام فولار، هذه التي ما تزال تحكمها عقلية الحرب، برغم ما شهده العالم من تغيرات بعد انتهاء الحرب الباردة. ـ كاتب لبناني