الثلاثاء 24 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 25 فبراير 2003 من يظن أن الحقيقة هي أول ضحية من ضحايا الحرب، عليه أن يؤكد هذا الظن باليقين، فلم يعد الأعلام سلاحاً للتنابذ بين الدول والمجتمعات المتخلفة، فيطلق عنانه عندما يختلف الساسة وأولو الأمر فيما بينهم، بل وأصبح أيضا سلاحا في المجتمعات المتقدمة إذا اختلف الساسة يغوص في الممنوع، ويُخرج ما خفي من بطنه الداخلي، ويشوه الصورة ما أمكن له ذلك، في الازمات تخرج حقيقة الأعلام على السطح، فليس هناك إعلام (مستقل) بمعنى الكلمة، هناك إعلام ذكي يقدم قضيته في ثوب جميل للمتلقي، وآخر غبي يقدم العصبية ويحب الصراخ، أما أن يكون هناك إعلام مستقل فذلك خرافة علينا أن نعيد النظر فيها. ومن يطلع في هذه الفترة على بعض ما تنشره وسائل الأعلام في الجانبين المختلفين من الأطلسي يتأكد من تلك الحقيقة، ففي جانب هو الولايات المتحدة وبريطانيا وجانب آخر هو فرنسا وألمانيا، يتناطح المختلفان إعلاميا بأقذع العبارات في وسائل الأعلام المختلفة والمكتوبة منها خاصة، حيث استخدمت كلمات مثل (النذل) و(الأبله) بل وحتى (القواد) لوصف الرئيس شيراك في بعض وسائل الأعلام الشعبية البريطانية، كما وصف (بالحرامي) في بعضها الآخر. ولم تُقصر الصحافة الفرنسية برد الصاع صاعين في هذا التلاسن الفظ باتجاه أولا رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، وثانيا تجاه الرئيس الأمريكي جورج بوش وبعض معاونيه، بل وتناولت الصحف الفرنسية (الشخصية) الأمريكية كشخصية متعجرفة وفاقدة للإحساس بواقع العالم، وقد تناولت الصحف أيضا سيرة زوجة رئيس الوزراء البريطاني بكثير من القدح وأشارت إلى بعض (الفضائح) المالية التي يُدعى أنها ارتكبتها، كما أظهرت زوجها رئيس الوزراء بأنه تابع طيع للولايات المتحدة، كما يتبع (الكلب) الوفي صاحبه! الحقيقة الضائعة كثير منا يتأفف بل ويغضب من طريقة تناول وسائل الأعلام العربية الموضوعات المختلف عليها بين الدول العربية، الكلمات المستخدمة والتعبيرات الخارجة عن الذوق والتهديدات وفتح الملفات وحتى تدبير الأكاذيب، وكنا نعتقد أن طريقة التناول الفجة تلك هي نتيجة (تخلف) من نوع ما في معالجة شئوننا السياسية والاختلافات النابعة منها، وهي اختلافات تكاد تكون مزمنة، إلا أن التناول في وسائل الأعلام الغربية في الآونة الأخيرة بين المؤيدة والشاجبة، وكل منها يتحيز لبلده وسياسته، أظهرت أن التناول الأعلامي الفج متقارب في الطرق التي يتناول فيها الموضوعات، بصرف النظر عن طبيعة الدولة ومستوى ممارستها السياسية، علينا أن نتحفظ في القول أن هناك بعض الشواذ لمثل هذه القاعدة، ولكنها شواذ تؤكد القاعدة ولا تنفيها. لم تتوان بعض الصحف في التحالف الأمريكي البريطاني بأن تصف الألمان بأوصاف تذكرهم بالزعيم النازي هتلر، وهي سُبة يتقزز منها الألماني ولكنه لا يستطيع إلى ردها سبيلا، حتى أن بعض الصحف نشرت ما سمته التاريخ (غير المعروف) للمستشار الألماني، وهي محاولة للغمز المضر بسمعته السياسية. ولقد سُئل توني بلير في مؤتمر صحفي حاشد: هل سوف، تصبح علاقتك بالرئيس شيراك علاقة طبيعية بعد هذا الخلاف السياسي البين بينكما، فرد بلير ولا يفتقد المراقب أن يلاحظ الغُصة في حلقه، أن ذلك لن يؤثر على العلاقة الشخصية، ولكنه لا شك سوف يؤثر على العلاقة بين البلدين! ولا تتأخر وسائل الأعلام في (أوروبا القديمة) بان تفتح ملفات (شعب الله المختار) للإشارة إلى البريطانيين والاميركان، وذلك لمحاولة نقد تفردهم في شئون العالم والقول ان رأيهم هو الصحيح وآراء الآخرين هي الخطأ بعينه. لعل السابق من الأمثلة يعطينا دلالة على انه تحت سطح التحضر الذي تتعامل به الدول الغربية فيما بينها، وعلى متانة العلاقات الاقتصادية والسياسية، فأنها حين تحين الساعة يقوم بعض أعلامها (بفرش الملاية) على رأي المثل الشعبي المصري، للدفاع عن ما يعتقد انه مصالح وطنية، ويَفجر في القول، كما يفتح الملفات القديمة دون مواربة، وتضيع الحقيقة أو تفقد. معضلة سياسية وأخلاقية قد يكون الأمر كله مقبولا ومعروفا، ولكننا عندما نتعرف على مركزية الاعلام في التخطيط الأميركي الجديد للمنطقة العربية وإصرارهم على وجود إعلام بعيد عن سلطة الدولة، نعرف على وجه الدقة أي نوع من الاعلام سنواجه، فرتشرد هيس (رئيس قسم التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأميركية) يؤكد في محاضرة له، ما تعول عليه الإدارة الأميركية من مركزية الاعلام (الحر أو على الأقل المستقل) في تنمية المجتمعات وتعزيز الديمقراطية المرادة، فيقول هيس بالنص:(الوسائل الإعلامية المستقلة والمساءلة أمور ضرورية، للوسائل الإعلامية دور حساس تلعبه كعنصر أساسي في المجتمع المدني، تكون هذه الوسائل في الديمقراطيات حرة ولا تسيطر عليها الدول، وهذا يسمح بظهور آراء ووجهات نظر متعددة يجري نشرها في ساحة سوق الأفكار، إن أفضل حماية ضد الأفكار التي تنشرها وسائل الإعلام ولا يوافق عليها الناس هو نشر أكبر عدد من وجهات النظر بدلا من إسكات الأصوات الإعلامية، على وسائل الإعلام المستقلة في الوقت نفسه مسئوليات، كما على الحكومات والمواطنين مسئوليات، فعليها دعم المعايير المهنية والتشديد على تقارير تكون مستندة إلى حقائق، وعليها التثقيف وليس فقط الدعوة للقضايا). مثل هذه الأفكار هي أفكار مثالية، ولا بد من الاعتراف أن المهنية بمعناها العام موجودة في الإعلام الغربي الذي يسمي الإعلام الجاد، إلا أن ما يؤكد أهميتها هو وعي المواطنين بما يقبلوه أو يرفضوه مما يقدم لهم، وأيضا هذا لا يعني أنه لا يتوفر (حفلات) في الاعلام (المنظم) الذي يتساوى مع أي إعلام منظم في دول العالم الثالث. حقيقة الأمر أننا أمام معضلة سياسية وأخلاقية، ففي الوقت الذي يقال لنا ان استقلال الاعلام وحياديته ومهنيته من الضرورات للديمقراطية المبتغاة، نرى أمام أعيننا كيف تنزل بعض وسائل الاعلام الغربية إلى الحضيض في تبادل التنابز فيما بينها وتجر المجتمع خلفها بعد ذلك لتصديق ما تقول. في الحرب الضحية الأولى هي الحقيقة، لذلك تجد أن البعض يتحمس أو يعارض بسبب ما سمع من ضخ إعلامي قد يكون الكثير منه يفتقد ابسط الحقائق. ـ كاتب كويتي