الثلاثاء 24 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 25 فبراير 2003 كيف يكون لدينا اعلام فعال، وكيف نساهم في ترشيد خطواته لكي يستوعب قضايا المجتمع ويستطيع التعبير عن حاجاته الاساسية التي لا يزال الاعلام يجهل عنها الكثير؟! ان وجود اعلام فعال كان ولا يزال احد المطالب الكبرى لشعوب العالم الذين ادركوا منذ زمن ان الاعلام استطاع ان يقود الناس الى حيث يريد، وان قدرة الجمهور على التحرر من سطوة الهيمنة الاعلامية تتضاءل يوماً بعد يوم. والبحث عن اعلام فعال في اعلامنا العربي اصبح اليوم معضلة بكل المقاييس، لا من حيث القدرة على ايجاد ذلك الاعلام فحسب، ولكن من حيث تصور ماهية الاعلام الفعال ومميزاته والدور الذي يجب ان يؤديه والمفاهيم التي يجب ان يعنى بتكوينها في اذهان الناس. وان جهل غالبية الناس بماهية الاعلام الفعال هو الامر الشائك الذي على المفكرين والمثقفين والكتاب ان يجتهدوا في اماطة اللثام عنه وتحديد القواعد النظرية التي تعرف المتعاطي للخدمة الاعلامية بمميزات البرامج الفعالة القادرة على دعم الجمهور لكي يتسنى له الاختيار الواعي المبني على رؤية علمية، ودراية حول البرامج الجديرة بان يمنحها المشاهد ثقته واهتمامه بدلا من تركه حائراً يتردد امام هذا الاغراق الاخباري غير المسبوق في العروض المتلفزة. وفي جولة اليوم سنقف امام الاعلام المرئي لنرصد اهم الادوار التي يقوم بها حاليا ونقارنها بالأدوار النوعية التي يؤديها الاعلام الفعال لنلحظ حجم الهوة بين الواقع الاعلامي وبين المثال. وحتى نقترب من فهم الحالة الاعلامية الراهنة علينا ان نشير الى ان الاعلام الجاد قد اوقف جهده على القضايا السياسية متجافيا عن غيرها من القضايا دون سبب معقول. فلقد صاحب استغراقه في رصد وتحليل الموضوعات الساخنة في الافق السياسي قطيعة كبرى لقضايا المجتمع مما جعل كفة الميزان الاعلامي تميل ميلانا شديدا نحو السخونة في طرح القضايا السياسية في مقابل السكون التام ازاء القضايا الاخرى التي تهم المشاهد وتلح عليه. لقد كان حريا بالمحطات التلفزيونية الجادة ان تقدم للمشاهد جرعات اعلامية ترصد المشاكل الاجتماعية وتحللها، وتدعم تطلعات الافراد للحصول على افكار عملية قابلة للتطبيق تساعدهم على الارتقاء بادوارهم داخل الاسرة وخارجها، وتعزز لديهم الشعور بالمسئولية الفردية ازاء القضايا العامة بدلا من استمرار العزف على وتر واحد كاد ان يقطع من كثرة عدد العازفين والعازفات الذين ملأوا الفضاء الاعلامي وامطروه بسيل من التحقيقات والاخبار التي حاصرت المشاهد، ووضعته في دائرة شديدة الضوء منعته من رؤية ما قبلها وما بعدها، واصابته بالدهشة والذهول أمام هذا الزخم اللامتناهي من الاخبار السياسية. ومما يثير الاسف ان هذا الخلل في الاداء الاعلامي الذي تقدمه المحطات الجادة لم يمر بسلام بل دفع ابناء المجتمعات العربية بسببه ثمنا باهظا لا يمكن حصره او تقديره حين ظلت ازماتهم الاجتماعية ومشاكلهم التربوية والنفسية وازماتهم الاخلاقية خارج دائرة الضوء الاعلامي، وبعيدا عن الاهتمام وكأنها قضايا ثانوية لا تستحق أن يدير الاعلام الجاد لها وجهه، ويضعها ضمن قائمة اولوياته البرامجية في حين ان استمرار التعامي عن وجودها هو كارثة اجتماعية بكل المقاييس. ولو سلمنا جدلا ان ثمة مبررات كبرى تقف خلف هذا التوجه الاعلامي الاحادي الجانب فان سؤالاً بديهياً يعترض هذا الرأي باحثا عن اجابة شافية حول اثر هذه السيول الاخبارية على المشاهد البسيط؟ الاجابة السريعة والمتوقعة لهذا السؤال لن تتجاوز ما يدور بذهن القاريء هذه اللحظة وهي ان البرامج السياسية استطاعت ان تعرف المشاهد على حقيقة الواقع الصعب الذي تجتازه الامة اليوم والذي لا تعرف عما ستتمخض نتائجه واثاره على مستقبل المنطقة برمتها. وهذا سبب وجيه نسلم به، ولكن السؤال المشروع: ما هي النتائج العملية لهذه المعرفة المكثفة بالواقع السياسي. ما هي ثمرات هذه الثروة المعلوماتية حول قضايا الساعة. ماذا بعد هذا التدفق الاعلامي الاحادي النزعة وماذا بعد هذه الصحوة في نقل الاخبار على هذا النحو غير المسبوق. ترى هل يكفي مبرر اخبار المشاهد العربي بكل ما يجري على الساحة لتقديم جوائز الانجاز للإعلام المرئي وتقديم اشادة جماهيرية بان واقعنا قد تحسن، واننا موعودون بصحوة مجتمعية تحل معها ازماتنا وقضايانا العالقة؟! اجابة هذا السؤال نتركها الى الغد بعد ان مهدنا اليوم لحديث ذي شجون!!