الاثنين 23 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 24 فبراير 2003 في جامعة الإمارات يوجد عشرات من الأساتذة المواطنين في شتى فروع المعرفة والعلوم والتخصصات، بدءاً بالسياسة وانتهاء بالزراعة، وفي كل عام تحتفل الدولة وتحتفي، وتفرد صفحات في جرائدنا المحلية للخريجين الجدد من حملة الشهادات العليا في الماجستير والدكتوراه ابتداء بالطب وانتهاء بالفن والرسم ومسرح العرائس! في صحفنا كتّاب، وفي عروق الوطن دماء شهية تنبض بالحرص والفهم العميق لما يجري، وفيما حولنا تتحرك مجموعات جميلة من الشعراء والكتّاب الواعدين الذين يضعون يداً على القلب وعيناً على الوطن، ثم يمضون وعلى رأسهم علامة استفهام بحجم العشق، ومع كل ذلك فنحن لا نرى أحداً منهم، ولا نسمع أصواتهم، وتحديداً في هذه اللحظة الكثيفة جداً والكارثية جداً، فلماذا؟ علينا أن نعترف بأننا ـ ولأسباب مختلفة ـ لم نكرس قاعدة (استشارة أهل الدار) ومنذ سنوات طويلة جداً من التعاطي الإعلامي والتعليمي و... الخ. لقد استمتنا ـ ولأسباب مختلفة أيضاً ـ في تكريس ذهنية (عين عذاري) التي تروي البعيد وتدع القريب يتشظى ظمأ!! فإلى متى نستمتع بالجفاف القاتل، وكأن الصحراء لم تكفنا فأنبتنا مزيداً من الصحارى في كل مكان؟! إلى متى ستظل فضائياتنا تجدف خارج الأجواء، وكأننا لا نملك من يبدي رأياً أو يبحث في أزمة سياسية أو مشكلة اقتصادية أو معضلة تعليمية، إن معدي البرامج في محطاتنا الفضائية، يعجزون في الأغلب الأعم، في هذه الأيام عن استضافة أبناء المجتمع ليناقشوا ويحاوروا ويقولوا رأيهم فيما يحدث، لكن هؤلاء المعدين لا يعجزون عن العثور على دكاترة ومحللين وناشطين ومعارضين سياسيين وكتّاب وصحفيين في أقصى بقاع الدنيا من واشنطن غرباً وحتى موسكو شرقاً، فلماذا؟ تسيطر المزاجية في التعامل مع المثقف الاماراتي تحديداً، ويتم تهميشه وابعاده عن المشاركة فيما يحدث ويجري، مع أن الذي يحدث ويجري لا يشبه سوى الزلازل التي تقلب الأرض رأساً على عقب، ومع ذلك نصرّ على استضافة دكتور من السوربون، واستاذ من واشنطن، ومحلل من جامعة في برلين، ومفكر من جامعة القاهرة، وبرلماني من سوريا، ومفكر من الجزائر... دون أن يخطر على البال أن هناك مكاناً اسمه الإمارات، وفيه أيضاً دكاترة ومحللون وسياسيون وبرلمانيون واقتصاديون وأناس يفهمون جيداً في أسواق المال والبورصات العالمية، ومن الممكن أن يعطوا رأياً في استحقاقات المرحلة المقبلة، فيما لو حدثت الحرب أو لم تحدث. ومع خالص تقديرنا واحترامنا للجميع، إلا أننا نسأل عن أبنائنا: لماذا لا يتواجدون بكثافة في أجهزة إعلامهم؟! نفتتح فضائيات ذات تقنيات عالية ومبهرة، ننفق عليها ملايين الدولارات، لنقول للعالم بأننا نفهم في لعبة الإعلام والاستحواذ على الرأي العام، ونستطيع أن نكون حرفيين، لكننا نقع في شرك التقليد بسهولة، فنرتبك منذ الخطوة الأولى، وهنا لا نستطيع الاجابة عن السؤال المطروح: لماذا هذا الصراع الشرس على الفضاء الإعلامي؟ هل هو حقاً اندفاع نحو فك عقد الكبت والقمع واضطهاد حقوقنا المسلوبة منذ سنوات في مجال الحرية والتعبير والرأي المعاكس، أم هو اندفاع نحو شيء آخر؟ فما هو هذا الشيء إذا لم يكن تكريس أنفسنا وصوتنا ورأينا ووجودنا كله الذي لا وجود له للأسف؟! ما يحدث في الكثير الكثير من أجهزة إعلامنا كارثة قومية يقودها أناس يفترض انهم مسئولون عن صياغة مفاهيم الناس وتشكيل الرأي العام وتوعيته وتنويره بما يحدث وبما سيحدث، لكن الواقع يقول بأن ما يطبخ في إعلامنا شيء آخر.. شيء يشبه الكارثة أو يمهد لها أو يجعل الناس يتقبلونها بصدر رحب!