الاثنين 23 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 24 فبراير 2003 في سنة 1896 أصدر سليم سركيس كتابه «المكتوبجي» وقد عرضنا له ـ كما لعلك تذكر ـ في حديث سابق وأوضحنا ان الكتاب صدر ليكون قصيدة هجائية تندد بالرقابة الخانقة والغبية أيضا التي فرضتها سلطة الاحتلال التركي العثماني على أقطار المشرق العربي ـ بلاد الشام على وجه الخصوص. المكتوبجي كان هو الرقيب العثمانلي الذي كان لا يجيد العربية بل وربما لا يعرف من لغة الضاد سوى بضعة ألفاظ مستقاة من قاموس الحياة اليومية في النصف الأخير من القرن التاسع عشر يستخدمها لزوم تمشية الحال كما قد نقول، ومع ذلك فقد ظلموا الرجل حين كلفوه بأن يقرأ الصحف والنشرات والمطبوعات الصادرة وقتها بالعربية لكي يراقبها ويشطب الممنوع منها ويسمح بنشر الباقي. والحق يقال ان الصحفي المخضرم سليم سركيس استطاع ان يشفي غليله بل وأن يتشفى لنفسه حين أوقف صفحات كتابه الصغير على الثأر من المكتوبجي أفندي. لكن سركيس لم يكن ليقف عند هذا الحد.. ولا كان الرجل مجرد صحفي هجاء ولا كانت الكتابة بالنسبة اليه مهنة تكسب أو حرفة ارتزاق يشهد بهذا تاريخه الشخصي على أقل تقدير، فقد تربى شابا في جريدة «لسان الحال» البيروتية وحين أحس بسطوة الرقابة العثمانية لم يستطع صبرا ولا كان بمقدوره ان يساير الأحوال فقرر ان يهاجر بقلمه وآرائه الى باريس ولندن فارّاً من عسف الحكام كما يقول العلامة خير الدين الزركلي في موسوعة «الاعلام». كان ذلك وقت مغيب القرن التاسع عشر.. بعدها جاء سليم سركيس الى مصر لينشئ جريدة «المشير».. وكانت أقرب مطبوعاته الى نفسه ويؤسس أيضا مجلة «مرآة الحسناء» وفي تلك الفترة أيضا أصدر كتابه الذي ألمحنا اليه بعنوان «غرائب المكتوبجي» وقدم نفسه على انه صاحب جريدة «المشير». ومن عجب ان سركيس أهدى الكتاب في الصفحة الأولى الى مقام السلطان عبدالحميد الذي كان يتربع على عرش آل عثمان بالأستانة في ذلك الزمان. ومحور العجب هنا ان الكتاب فيه نقد واضح وصريح للسلطان العثماني ودولته التي كانت في طريقها الى التداعي ومن ثم الانهيار الى الزوال مع مطلع القرن العشرين. ويلفت النظر ان سركيس استطاع ان يضع اصبعه على الجرح تماما.. لقد لاحظ انه كلما أرادوا انهيار الدولة بل وكلما هانت على أعدائها وخصومها.. زاد استخدام أعوانها والناطقين باسمها لألفاظ التفخيم وعبارات التعظيم يخلعونها على السلطان العثماني بمناسبة أحيانا وبغير أي مناسبة في معظم الأحيان. في فجر الاسلام.. حين كانت دولته الفتية اليافعة تشرق شمسها في صحة وشباب على العالم كان لقب الحاكم الأول في الدولة هو أمير المؤمنين.. وقد اصطنعه في عبقرية ادارية الخليفة الثاني ابن الخطاب رضي الله عنه وحين كان الخليفة يصعد الى المنبر ليخطب في الناس لم يكن الناس يتورعون عن مخاطبته وهو الصحابي الجليل منادين: يا عمر! فيما كانت مفاتيح البلاد بين يديه وقواد الجيوش أمامه كما يقول سليم سركيس. لكن مع تدهور أحوال الدولة العثمانية كان القوم يشعرون بعقدة نقص ازاء ما اعتراها من تصدع وهزال.. فلا يواجهون هذا النقص الا بمزيد من ألقاب التفخيم والتعظيم. يقول سركيس: ـ تقع البلاد العثمانية من عرش السلطنة واحدة واحدة (بمعنى تنفصل وتستقل عن كيان الدولة المركزية) ويأتي المنافقون (في اسطنبول العاصمة) فيضعون مواضعها الألقاب.. وكلما سقطت بلدة سدّوا مكانها بلقب حتى أصبحت الألقاب (التي خلعوها على السلطان التركي) تزيد على السبعين لقبا.. وهذه الألقاب الشريفة ـ يضيف الأخ سركيس ـ يكفي بعضها للأنبياء والمرسلين وملوك الأرض الفاتحين آلافا من السنين. هكذا أقاموا مزارا أو نظموا (أوكازيون) للتنافس على أيهم يضفي على السلطان ولي النعم ـ المتبوع الأعظم ـ ألقابا ومسميات فيها من الغلو والايغال ومن المبالغة والاطناب ما تعافه النفس المؤمنة والذوق اللغوي السليم في كل حال. والحاصل ان سليم سركيس عمد الى عدد واحد صدر عن جريدة «اقدام» التركية بتاريخ 18 شعبان سنة 1312 هجرية وأحصى في الجريدة عدد الألقاب المخلوعة على السلطان عبدالحميد خان وكان في تلك الفترة قد استوى ان البرقية التلغرافية مرفوعة الى تراب أقدام السلطان! أما عنوان المراسلة ـ طبعا ان وصلت أي رسائل من رعايا الدولة المساكين ـ فهو كالتالي: ـ الى الوكيل المطلق صاحب وخليفة.. ذو النورين شاهنشاه مفخم.. مقدس.. ظل الله على الأرض.. ولي نعمة العوالم.. شوكتلو قدرتلو.. عظمتلو باد شاهمز.. أفندمز حضرتك.. انتهى.. وهكذا كانت أحوال دولة بني عثمان قبل أقل من ربع قرن على أفول شمسها وزوالها الى حيث دخلت في ذمة التاريخ.. ومسكين السلطان عبدالحميد.. كان داهية وكان سياسيا محنكا وحاول ان يحافظ على كيان الدولة التي ورثها ومعها ورث تركة من المتاعب المتبوع.. خذادان سراير خلافت عظما (والاشارة طبعا الى استواء سيادته على سرير السلطنة التركية.. الخ). وبذكاء لماح.. يلاحظ المواطن ـ العثمانلي وقتها ـ سليم سركيس أنه قد اختفت من ألقاب السلطان العثماني ألقاب من قبيل القائد أو المقدام أو الغازي وكلها ترتبط بالنضال والقتال في ساحات الوغى لحماية كيان الدولة والذود عن حياض الدين. يلاحظ سركيس أيضا ان العنوان التلغرافي للبادشاه عبدالحميد كان على النحو التالي: دار سعادت (دار السعادة مقر الحكم على ضفاف البوسفور) خاكباي شاهانه يه دي الى غبار الأقدام الشاهانية بمعنى (ملك الملوك وقد اتخذه لقبا ـ قبل الثورة ـ شاه ايران).. ملكدار (ممسك الملك ـ تركية) جهانباني (باني الدنيا.. تأمل!).. بادشاه (أمير المؤمنين) وكيل النبي المطلق(!).. ساه عالي جاه (أظن مفهوم) دريانوال (سلطان البحر) عالمبناه (ملجأ العالم) أعظم حكمدارات زمان.. وفير الآثار.. عظيم الاقتدار.. جامع فضائل العدالة ظل يزدان (ظل الله ـ فارسية) جليل المناقب جبنكار (مشيد أركان الملك في الدولة) بدر منير أسمان (بدر الدجى في السموات) قومندان أقدس.. فريد مكارم.. ولي نعمة العوالم سات.. ذات قدسيت (تعالى الله عما يصفون) حامي أعظم دين مبين.. تاجدار (ممسك التاج العثماني) وما تابنده أوج سلطت متبوع مقدس (الاشارة هنا أيضا الى القمر الساطع المشع من ذات على أريكة السلطنة في كنف الدولة العلية ما يزيد على ثلاث وثلاثين من السنين) فاذا بالصحفي البيروتي المخضرم يصل بالاحصاء الى 70 لقبا كانوا يضيفونها الى اسم سلطانهم عبدالحميد.. في أواخر القرن التاسع عشر، الذي ضاع ثلث ملكه والباقي ان لم يتداركه الله على أثره كما يقول سركيس في آخر صفحات كتابه «غرائب المكتوبجي». ولم نستطع ـ بطبيعة الحال وحكم المساحة ـ ان نستوفي هذه الألقاب السبعين وحسبنا ان نورد عّينة منها حيث نقرأ على سبيل المثال ليس الا ان عبدالحميد وريث الامبراطورية، التركية كان من ألقابه ما يلي: ـ ظل الله.. سلطان البرين.. شاهنشاه والمشاكل والمخطوطات والمؤامرات (رفض ان يعطي الصهيوني هرتزل رخصة للعمل والنشاط في فلسطين). لكن عبدالحميد بقدراته هذه جاء في الزمن الغلط أو جاء متأخرا قرنا وربما قرنين جاء في الساعة الثالثة والعشرين كما نقول.. في زمن الأفول. حين كانت الدولة تفقد من أجزائها قطعة في أثر قطعة.. فلا يملك رجال المابين (الحاشية) سوى ان يخلعوا على سلطانهم مزيدا من ألقاب. ولقد ظلوا يخلعون الى ان جاءت الطامة فاذا بالحوادث تؤدي الى خلع عبدالحميد شخصيا.. كان ذلك في عام ,1909. وبعدها عاش عبدالحميد 9 سنوات الى ان رحل، بغير ألقاب، الى دار البقاء. ولله ـ سبحانه ـ الأمر من قبل ومن بعد