الاثنين 23 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 24 فبراير 2003 دون أن تتكلف عناء تفكير عميق يمكنك تصور مشهد الفوضى الدموية العارمة الذي من المحتم ان يتشكل ويتفاقم في منطقة شمال العراق بمجرد وقوع الحرب الاميركية المحتملة، واذا كان السيناريو الأميركي الموضوع مبنيا على فرضية ان الدبابات الاميركية سوف تقتحم مدينة بغداد لاسقاط النظام الحاكم في وقت قياسي فان ما سوف يحدث بعد ذلك في الشمال العراقي سوف يكون قصة مختلفة تماما. القوات الأميركية موعودة بالتورط في مستنقع بلا قرار. واذا اعتبرت هذا القول مبالغاً فاستحضر في ذهنك، كخطوة مبدئية، القوة العسكرية المختلفة التي سوف تجد نفسها مضطرة للاقتتال بين بعضها البعض الى أمد غير معلوم. فبالاضافة الى القوات الأميركية هناك قوة نظامية اخرى هي الجيش التركي الذي سوف يزحف عبر الحدود من أجل تأديب الميليشيات العسكرية الكردية العراقية التابعة لفصيلي طالباني وبرزاني. والاشتباك التركي المحتوم مع الأكراد العراقيين ربما يغري ميليشيا اكراد تركيا بدخول المعركة للتضامن مع اشقائهم الاكراد العراقيين. أكراد ايران ليس لهم قوة قتالية خاصة فيما نعلم لكن من ناحية اخرى فان التنظيم الشيعي العراقي المعارض الذي يعرف باسم «المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق» بقيادة باقر الحكيم، لديه في الشمال العراقي حاليا قرب الحدود الايرانية قوة من خمسة الاف مقاتل تقول الانباء انها سوف تتضاعف في حالة اندلاع الحرب الاميركية. وهناك تنظيم مسلح اخر ذو اجندة غامضة.. وهو «انصار الاسلام». والمعلومات المتوافرة عنه حتى الآن ـ وهي غير مؤكدة ـ تفيد بأنه ايضا يحظى برعاية ايرانية علما بأن اجندته المعلنة أقرب الى اجندة ابن لادن وتنظيم «القاعدة». فكيف تتعامل القوات الأميركية الغازية مع هذه القوى المحلية المتصارعة؟ اذا افترضنا ان الولايات المتحدة استطاعت تحقيق نصر نهائي وسقوط بغداد في يدها؟ هل تنأى بنفسها بينما ميدان المعركة نفسه ـ الشمال العراقي ـ غني بثروات نفطية اسطورية؟ واذا قررت دخول المعركة فمع أي فريق تقاتل؟ واذا اصبحت القوات الأميركية فعلا طرفا في القتال فمتى تنتهي المعركة: هل تمتد لشهور أم لسنين؟ أولا من المؤكد، كما يبدو من الروايات الاخبارية، ان ادارة بوش تدرك طبيعة المشهد الدموي المرتقب في حالة تنفيذ الغزو الاميركي على العراق. هذا يفسر لنا لماذا قررت الادارة الأميركية مسبقا ان يخضع الحكم في العراق بعد الاطاحة بنظام الرئيس صدام حسين لسلطة احتلال أميركية بقيادة جنرال ـ غالبا الجنرال تومي فرانكس ـ لمدة عام على الاقل. واذا كان هذا القرار الاميركي يعني استبعاد ائتلاف المعارضة العراقية من الحكم فلأن واشنطن تدرك ان الحرب لن تنتهي بسقوط نظام صدام. فزوال السلطة المركزية في بغداد سيكون بمثابة اشارة تحرك للفرق المتناحرة في الشمال لتأخذ بخناق بعضها البعض. ولنعد الى السؤال الكبير المطروح: كيف تتعامل الولايات المتحدة مع القوى القتالية التي سوف تتصارع في شمال العراق اذا اندلعت الحرب؟ الحسابات السياسية معقدة لدرجة ان الادارة الأميركية سوف تجد نفسها ازاء طلبات متناقضة. والمثال الأوضح هو تناقض الاجندة التركية مع اجندة أكراد العراق.. علما بأن لكل من الطرفين علاقة تحالف مع الولايات المتحدة. فمن بين الشروط التي وضعتها تركيا للمشاركة في المغامرة الاميركية في العراق ألا تسمح الادارة الاميركية بقيام نظام حكم فيدرالي في عراق ما بعد صدام يتيح للشعب الكردي في الشمال تثبيت نظام الحكم الذاتي الذي يتمتع به حاليا. هذا الشرط ينبع من حرص الدولة التركية على ألا تنتقل «عدوى» الحكم الذاتي الى منطقة اكراد تركيا. غير ان الفصيلين الكرديين في الشمال العراقي التزما بدعم الحرب الأميركية على العراق بناء على وعد أميركي رسمي باقامة نظام فيدرالي. وهو وعد اعطي لائتلاف المعارضة العراقية بأكمله. هذا التناقض سوف يظهر بصورة دموية بمجرد اشتعال الحرب. فالجيش التركي سوف يعتبر الفرصة سانحة للتحرك من اجل تصفية الميليشيات الكردية العراقية فأين تقف القوات الأميركية في هذه الحالة؟ أغلب الظن أن القوات الأميركية سوف تقاتل في جانب الجيش التركي. لكن دخولها المعركة قد يحفز ميليشيات باقر الحكيم و«أنصار الاسلام» للمشاركة في القتال الى جانب الميليشيات الكردية العراقية. وقد تنضم اليهما ميليشيا أكراد تركيا. وبما ان الطابع الغالب في المعركة سوف يكون اسلوب حرب العصابات فان القوات الأميركية قد تتورط بمرور الاسابيع والشهور في الاقتتال في مستنقع يصعب الخروج منه. واذا كانت خطة الغزو الأميركية للعراق تعتمد بالدرجة الاولى على التفوق التكنولوجي الأميركي في الجو فان هذا التفوق لن يكون ذا جدوى في المرحلة اللاحقة للحرب اذا اندلعت فعلا.