الاثنين 23 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 24 فبراير 2003 مع استكمال الحشود العسكرية الأميركية في المنطقة استعدادا للحرب على العراق وتأكيد البيت الابيض الأميركي مرارا استنفاذ فرص الحل الدبلوماسي للمسألة العراقية تبدو مسألة الخيار البديل للحرب مسألة صعبة جدا ان لم تكن مستحيلة خاصة بعد ان أوصلت إدارة الرئيس جورج بوش الابن الأمور إلى نقطة اللا عودة، وعليه فان الإدارة الأميركية ماضية في خيار الحرب غير مبالية بالمواقف الدولية الرافضة لها ، إذ ان هذه الإدارة ترى ان مصداقيتها باتت تتوقف على خيار خوض الحرب. في الواقع ، على الرغم من ان الأمور وصلت إلى هذه النقطة الحرجة فان ثمة تطورات بدأت تتضافر وتتكامل في صورة مواقف رافضة للحرب أو تؤجلها إلى حين ، ولعل من أهم هذه التطورات : ـ الجلسة العاصفة لمجلس الأمن في الرابع عشر من هذا الشهر، إذ شكلت هذه الجلسة بمداولاتها نقطة تحول لصالح الموقف العراقي، في تأكيد مدى تعاون بغداد مع الجهود الدولية لنزع أسلحته ، وإذا كان تقريرا بليكس و البرادعي قدم صورة إيجابية عن هذا التعاون فان مواقف معظم الدول الأعضاء في مجلس الأمن أكدت ضرورة إعطاء الوقت الكافي للمفتشين الدوليين للقيام بمهمتهم التي أكدت نجاعتها في نزع العراق أسلحته، ومثل هذا الأمر يناقض الخطط الأميركية التي لم تعد تتحمل تأجيل الحرب لأسباب تتعلق بحسابات البيت الأبيض. ـ بروز محور باريس - برلين الرافض للحرب ، وخلف هذا المحور اصطفاف موسكو وبكين و بروكسل في رفض الحرب، وعلى الرغم من محاولة واشنطن تقسيم أوروبا تحت مسميات وتصنيفات عديدة، بدءا من إطلاق وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد مصطلح ( أوروبا القديمة) على فرنسا وألمانيا وليس انتهاء بصدور بيان التأييد لواشنطن من الدول الأوروبية الثمانية الا انه على الرغم من كل هذا برز ما يمكن تسميته بلغة كفاحية أوروبية وتحديدا فرنسية - ألمانية، فيها الكثير من نبرة التحدي للإدارة الأميركية وقد ظهر هذا التحدي إلى السطح في جلسة مجلس الأمن المذكورة ولا سيما في كلمة وزير الخارجية الفرنسية دوفيلبان. وبغض النظر عن دوافع و ابعاد اللغة الأوروبية هذه، سواء كانت تتعلق بأسباب داخلية انطلاقا من عوامل قومية أو انتخابية أو سياسية أو تتعلق بالتنافس الجاري بين أوروبا وأميركا على المصالح والهيمنة في العالم، وكذلك بالنتائج التي ستسفر عنها الحرب على العراق فان بروز مثل الاختلاف في المواقف والذي قد يتطور إلى إشكال من الصدام الدبلوماسي والسياسي هو لصالح العراق والخيار السلمي حتى في اللحظة الأخيرة لشن الحرب ، فالثابت في المعادلة الدولية الجارية بعد انهيار الحرب الباردة ان أوروبا هي جزءا من المعسكر الغربي الذي يقوده البيت الأبيض ، وبروز مثل هذا الانقسام يمهد لمرحلة جديدة من التنازع على تعددية قطبية ، إذ من شأن المواقف الفرنسية والألمانية دفع روسيا والصين والهند والعديد من الدول الأخرى التي لها وزن دولي وإقليمي إلى رفض عصا الطاعة الأميركية. ـ - الانقسام الحاصل داخل حلف الناتو بات يشكل فاتحة غير مسبوقة في تاريخ الحلف ومهامه العسكرية ، وعلى الرغم من هذا الانقسام يعكس الانقسام الحاصل في مواقف دول الأوروبية المنضوية في عضوية الحلف من جهة، والمجابهة الدبلوماسية الجارية بين محور برلين - باريس ومحور واشنطن - لندن من جهة ثانية ، الا ان مثل هذا الانقسام يؤثر على قرار الحلف في المشاركة في الحرب أو عدمه بخلاف جميع الحروب التي شارك فيها الحلف على مدى نصف قرن من تاريخ الحلف ، ومثل هذا الانقسام له علاقة بالحسابات العسكرية المرتبطة بالحرب واحتمالاتها ، والمعادلة الخطيرة هنا بالنسبة للإدارة الأميركية انه إذا كان العراق يتحمل نتائج مثل هذه الحرب قتلا وتدميرا فان هذه الإدارة لا تتحمل خسارة هذه الحرب ، إذ ان نتائجها ستكون كارثية على الإدارة الأميركية في حال أخفقت ، والثابت هنا هو ان العراق ليس أفغانستان ، وان النظام في العراق ليس حركة طالبان ، وان الجوار الجغرافي للعراق يختلف عن الجوار الأفغاني ، كما ان الهدف المعلن للحرب الأميركية على العراق يختلف عن هدف محاربة الإرهاب الذي كان شعارا في الحرب التي جرت في أفغانستان ، فضلا عن كل هذا فان الحرب الأميركية ضد العراق تلقى رفضا شعبيا عالميا حتى داخل الولايات المتحدة الأميركية نفسها ، كما ان مثل هذه الحرب ستولد عداء شديدا لأميركا في العالمين العربي والإسلامي وقد يترجم هذا العداء عمليات عسكرية ضد المصالح الأميركية في الداخل والخارج، هذه العوامل وغيرها هي عوامل لها علاقة بالحرب وتطوراتها ،وهي على المدى البعيد ليست لصالح الولايات المتحدة. - على الرغم من ان الموقف العربي الرسمي والشعبي ضعيف ولا يرتقي إلى مستوى التحدي والمسؤولية الا ان هذا الموقف واستشعارا منه بمخاطر الحرب على النظام الرسمي العربي من جهة ، ومن جهة ثانية تحت تأثير التحرك الفرنسي - الألماني الأخير بدء يتحرك ويحاول ان يعبر عن نفسه ، ومع ان مثل هذا الموقف لا يشكل عقبة في وجه الحملة الأميركية نظرا لضعفه والانقسام الحاصل في صفوفه، فضلا عن تقديم العديد من الدول العربية قواعدها وأراضيها تحت تصرف القوات الأميركية، وذلك على شكل موافقة ضمنية على الحرب ، الا من شأن الخروج بموقف عربي موحد خلال القمة العربية المرتقبة ، من شأن هذا الموقف الموحد التكامل مع جهود محور برلين - باريس و إضافة عامل مهم وحيوي إلى المواقف الدولية الداعية إلى اعتماد الخيار السلمي مع المسألة العراقية. - في الواقع ، هذه المواقف والعوامل والتطورات مجتمعة لها علاقة بالحالة القانونية والشرعية والأخلاقية والإنسانية التي تحاول الإدارة الأميركية نزعها من الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي لتبرير حربها ضد العراق باسم مكافحة الإرهاب والديمقراطية والحرية ونزع الأسلحة ، ومن الواضح ان التطورات في هذا المجال لا تسير لصالح الولايات المتحدة وخيارها في شن الحرب ، ففضلا عن سيادة الموقف الدبلوماسي الرافض للحرب داخل المنظمة الدولية فان رفض المنظمات والحركات الإنسانية والبيئية والفعاليات المختلفة والتي تجسدت في تظاهرات احتجاجية سلمية رافضة للحرب في مختلف انحاء العالم ، كلها عرت الدوافع الأميركية من وراء الحرب وعززت من الموقف السلمي للتعامل مع المسألة العراقية. مع اقتراب الإدارة الأميركية من لحظة شن الحرب تبدو هذه الإدارة في عزلة دولية ، ومع الاقتراب من هذه اللحظة يقترب العالم من قول ( لا ) واضحة للحرب الأميركية، ومع ان المراقبين يقولون ان هذه ( لا ) لن تغير من القرار الأميركي بشن الحرب ، فهي ( الحرب ) مرتبطة بمخططات لها أهداف ومصالح اقتصادية وأمنية وسياسية ، وهناك قوى ولوبيات تحركها وخططت لها منذ زمن بعيد وان كل شيئا أعد لها على وجه الدقة وبالتالي فان الإدارة الأميركية ستمضي في خيار الحرب حتى النهاية ألا ان في الوقت نفسه فانه في ظل التطورات الأخيرة وغياب أي مبرر قانوني للحرب وازدياد حدة المعارضة العالمية وتعارض أهداف هذه الحرب مع المصالح الأوروبية والروسية والصينية ، كلها مواقف وعوامل وتطورات فتحت نافذة أبقت التطورات على كل الخيارات بما في ذلك الخيار السلمي ، فأميركا التي تريد قيادة العالم والهيمنة عليه دون منافس قد ترى بعد كل هذه التطورات ان تحقيق ذلك سلما أفضل من خوض حربا غير مضمونة النتائج ، حربا تخسرها قيادة العالم وتضعه امام المجهول مع انها لا تزال ترى في الحرب أفضل خيار لتحقيق كل ذلك. ـ كاتب سوري