الاثنين 23 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 24 فبراير 2003 اليوم مثل كل يوم، نتائج العدوان والإجرام الصهيوني المستمر تكثر وتكبر: الاجتياح والقتل وهدم البيوت وتدمير مشاغل العمال الصغيرة ومقومات الحياة والصمود للشعب الفلسطيني، والدعم الأميركي للاحتلال يشتد ويتنوع ويكثر ويكبر، وتصميم الشعب الفلسطيني البطل على تشبثه بأرضه والدفاع عن نفسه وعزمه على مقاومة الاحتلال يستمر ويتجذَر ويكبر؟ واهتمام العالم بالحرب التي يحشد لها بوش ضد العراق ورفضه لها يتصاعد ويكبر.. شيء واحد صغير إلى حد مثير ويصغر يومياً بشكل مهين هو الموقف العربي من كل ما يجري في فلسطين وما يتهدد العراق وما ينتقص من شأن الأمة في معظم ما تتصدى له من أحداث وقضايا؟! وإذا كان هذا يبدو غريباً وعجيباً من بعض الوجوه وفي بعض الظروف ومن القضايا الملحة على الخصوص، فإن الأغرب الأعجب فيما أرى هو استمرار توالد هذا الغريب العجيب من المواقف ونموه والإبداع في ميادينه في هذا الزمن الرديء، مع تأكيد كل ذي رأي وبصيرة من العرب على أهمية وضرورة تجاوز هذا الوضع بسرعة وقدرة يوفرهما موقف عربي واحد صلب يقوم على استقلالية رشيدة ورأي سديد. الارادة الغائبة وما أرمي إليه هنا ليس التثريب ولا الحديث لمجرد تفريغ حمولة ثقيلة أرهقت الكاهل وضاقت بها النفس، بل أرمي إلى القول بأن الأمة دخلت في سبات طال أمده واشتدت آثاره ومخاطر استمراره، واستقالت أقطارها من مسئوليات متبادلة كبار ومسئوليات عن قضايا قومية مصيرية لا يمكن أن ينهض بها إلا أبناء الأمة كلهم، منها أمن القطر واستقلاليته وأمن الأمة ومصالحها الكبرى، والقضايا المصيرية وحسمها لمصلحة الأمة، وينعكس كل ذلك سلبياً على الأمة كلها؛ فمن يخرجها مما هي فيه إلا عزمها هي وتصميمها وتضحيتها من أجل بلوغ ذلك الهدف؟! ولا أتوقف هنا عند حالة الانقسام شبه المستمر في الآراء والمواقف والقوى التي غدت سمة عربية، وآخر ما ظهر منه كان في اجتماع وزراء الخارجية من أجل التحضير لقمة استثنائية جدول أعمالها الحرب المحتملة على العراق، تلك التي تنحت لمصلحة قمة عادية.. وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، بل أتوقف عند معاني ومؤشرات الصمت الرهيب الذي يلف الأقطار العربية كلها حيال المجازر اليومية وعمليات الاجتياح والتدمير والاعتقال التي تتم ضد الشعب الفلسطيني في كل مكان من غزة والضفة الغربية، حتى لكأن ما يتم هناك لا يتصل ببشر من لحم ودم تربطنا بهم صلات إنسانية، ولا بأخوة لنا يجمعنا وإياهم انتماء قومي وثقافي وحضاري وعقائدي.. ويُفتَرَض بنا أن نتحمل كما يتحملون مسئولية الدفاع عن أرض ومقدسات ومواقع روحية وتاريخية هي لنا ولهم بالقدر ذاته من التأثير والارتباط والاهتمام والمسئولية؟! بين المعلن والسري إن تزايد كثافة العمليات التي تقوم بها قوات الاحتلال في فلسطين، لا سيما بعد إعادة انتخاب شارون رئيساً لوزراء الكيان الصهيوني، يتزامن مع انشغال العالم بالتهديد الأميركي للعراق وبمخاطر حرب تكون نتائجها كارثية على المنطقة، ولا أشك لحظة واحدة في أن ذلك التزامن مخطط له بين أطراف تحالف واحد يخوض معركة واحدة هو التحالف الأميركي الصهيوني، وأنه يهدف إلى قتل أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين وإجبارهم على اختيار الذل والمنفى، فلماذا لا يكاد العرب يلتفتون إلى ما يجري في فلسطين، ومن المعروف أن القدر الضئيل من الانتباه أو الاهتمام الذي يمكن أن يبديه العرب حيال ما يجري لإخوانهم في فلسطين يمكن أن يكون له مردود إيجابي ولو من الناحية النفسية؟! ومن الواضح أن العكس هو الذي يحدث، والضغط من أجل وقف المقاومة وتصفية الانتفاضة هو المسعى الأول لبعض الدول العربية، فما هو سر ذلك وما هي مراميه البعيدة؟! هل هو «التكامل الاستراتيجي» بين مصالح بعض الانظمة العربية من جهة ومصالح الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني من جهة أخرى؟! وأقول «التكامل الاستراتيجي» بتجاوز تام لمعاني وأبعاد حضور الجانب العربي ومصلحته وإرادته، فهو نوع من الابتلاع اللبق يأخذ مظهراً حسناً ويبقي على شكلياتٍ الهدف من الإبقاء عليها استكمال دور الحاكم وتخويف الشعب وتفتيته وسلب إرادته وإلحاق الهزيمة به من الداخل حتى يزداد استسلاماً وخضوعاً وخنوعاً، في خطوة لتسليم مقاليد الأمور «للحليف» من دون ضجيج، خطوة تبقي على الحاكم في ظل خوف على الجزء المتصل بالسلطة والتسلط تذهب معه السلطة والبلاد ويبقى التسلط على العباد لمصلحة العدو الآمر ولإشباع الحاجة المرضِية للسلطة؟! لقد شهدنا خلال الأسابيع الماضية مواقف مؤسفة لبعض الأنظمة العربية، في أثناء السعي لإيجاد مخرج أو موقف عربي في مواجهة التهديد الأميركي للعراق، ووقفنا على تناقض وتضاد بين المعلن والسري في مواقف النظام القطري الواحد بين عشية وضحاها، واتضح لكثيرين أن ما يأمر به جورج بوش يصبح موقفاً رشيداً يُراد للعرب أن يساقون إلى مورده بالقوة أو بالشطارة، فقبل الموقف في مجلس الأمن الدولي يوم 14/2/2003 كانت الحرب حتمية، والقمة الاستثنائية مستبعدة، والحل السلمي للمسألة العراقية مستبعداً هو الآخر، لأن الرئيس بوش يريد أن يشن الحرب بقرار دولي بدا له أنه في جيبه، وبعد الهزيمة الديبلوماسية التي مني بها في مجلس الأمن الدولي وما تلا ذلك من مسيرات عبرت يوم الخامس عشر من الشهر ذاته عن توجهات واسعة للرأي العام العالمي ترفض الحرب، وميل الإدارة الأميركية إلى حلول منها المنفى الاختياري للقيادة العراقية، تتم بمخارج عربية وتؤدي إلى النتائج والأهداف الاستراتيجية الأميركية ذاتها، أصبحت القمة العربية الاستثنائية مطلوبة بسرعة وإلحاح شديدين، والحل السلمي للأزمة العراقية ممكناً؟! ومن جانب آخر بدا أن العرب الذين يفتحون أرضهم للجيوش المعادية يختلفون مع أنفسهم ومع سواهم لأن لهم أكثر من خطاب وأكثر من هدف: فهم يريدون أن يُعرَف عنهم رفض الحرب وإدراك ما تسفر عنه من نتائج كارثية على المنطقة وما تؤسس له من فوضى عارمة وعودة غير محمودة للاستعمار، ولا يريدون أن يعلن باسمهم أنهم لا يوافقون على السماح للقوات الأميركية والمتحالفة معها الانطلاق من أراضيهم لشن العدوان على العراق، ولا يلتزمون بقرار عربي لا يسمح بتقديم تسهيلات للقوات المعتدية، وفي الوقت نفسه لا يريدون أن يُعرَف عنهم الخروج على الإجماع العربي العزيز؟! إن هذا يحتاج إلى صوغ معادلات لا توجد لها حلول منطقية فليتصدّ لهذا العمل من هو قادر عليه. حالة مأساوية أما الشأن الفلسطيني فيبدو أنه أصبح من المغيبات العربية ولا يجري حوله اختلاف حين يتعلق الأمر بدفع مساعدات إنسانية، فالقرار يتخذ والدفع «على الله»، إذ أن هناك من يلزِم نفسه ويلزِم غيره ويلتزم على الورق ، وهناك من يلتزم ويسدد ، وهناك من يريد ويلتزم ولا يستطيع أن ينفذ، وقلة قليلة تقف موقفاً سلبياً في الظاهر والباطن، أما حينما يتصل الأمر بما هو أبعد من المال والأقوال فإن نسبة المعطين ظهورهم للقرار الإيجابي تزيد على التسعين بالمئة، ونسبة الذين لا يودون أن تطرح عليهم مشاريع قرارات تتعلق بالوقوف الجاد مع الشعب الفلسطيني في أتون المواجهة مهما كلف الثمن فتتجاوز السبعين بالمئة عند فكرة مناقشة المشروع والتسعة والتسعين بالمئة عند التنفيذ فيما إذا اتخِذ قرار، وغالباً لا يُتخذ. نحن اليوم أمام حالة عربية مأساوية في هذا المجال: حالة شعب فلسطيني يُذبح، وتُدمَّر مقومات حياته ومنازله على رؤوس أبنائه، ويلاحق في كل شبر من أرضه، ويشتد عليه تحالف الأميركيين والصهاينة والمتعاونين معهم أو المتفهّمين «لأفعالهم» من العرب وسواهم، لتحطيم إرادته ومقاومته وصموده ومقومات حياته، ولا يجد في الوقت الصعب من يقف معه أو يتكلم في موضوعه ولا من يدافع عن عدالة ما يطلب، ومطلبه إنساني بسيط: «توفير الحماية له ووقف مسلسل الإبادة الذي يتعرض له»، كما يجد من بعض دمه ولحمه نقمة عليه، كما أنه لا من يقدم الدعم الشامل له من أبناء أمته ليدافع عن نفسه ويتابع مقاومته بشيء من الأمل والاقتدار، ويجد أحياناً من يسعى لتدمير إرادته من الداخل ومن أبناء الأمة بالتيئيس والتنكر لعدالة فعل المقاومة ومشروعيتها وضرورة استزرارها ووقوف الأمة وراءها، فما الذي يمكن أن نقوله على أي مستوى وصعيد لهذا الشعب البطل الذي يقوم من رماده بعد كل موت، ويستأنف جهاده بعد كل مجزرة وواقعة وعدوان وإحباط؟! هل نقول له: لسنا منك ولست منا إلا في تواصل الكلام بالكلام؟! أم ندعو إلى مناقشة شئونه في قمة استثنائية تؤدي إلى خلافات في الرأي والرؤية والقرار، أم ندعو له صباح مساء بأن يوفقه الله ويهديه سواء السبيل ليأخذ بحكمة المنساقين للكيان الصهيوني والرئيس الأميركي فيستسلم ليسلم منه الريش ويهرس حقه والعدل والحرية مع اللحم والعظم تحت جنازير الدبابات الصهيونية وبهمجية نازية شارون ـ بوش المعاصرة؟! إن الحالة الفلسطينية مأساوية بما لا يدع مجالاً للصبر عليها، وعلى العرب أن يكونوا أهلاً لتحمل مسئولياتهم وحماية مصالحهم وحقوقهم وأبناء قومهم ومقدساتهم ومقومات وجودهم، وما يجرح ويدمي ويكيد في هذا الوضع العربي البليد أنهم يملكون مقومات الرؤية، والقوة الحامية، ويستطيعون لو أرادوا واجتمعت كلمتهم أن يفعلوا شيئاً مؤثراً جداً، وهم كثر ولكنهم كغثاء السيل، تنقصهم إرادة سياسية ومبادرة ذاتية ورؤية استراتيجية ليروا ويدركوا أن لا نجاة مع الكرامة والسيادة لأي منهم بمفرده، ولا وجود للأمة بالمعنى الحقيقي والشامل والفاعل للوجود من دون وحدة موقف، وتضحيات كبيرة، وقوة تستخدم لمصلحة الأمة في كل قطر من أقطار الأمة ولخدمة كل مصلحة من مصالحها ومهما كلف الأمر وخسر القطر فالوجود للأمة والحماية الحقيقية في قوتها وتحت أجنحتها. فهل إلى تدارك بعض الأمر والقدرة والكرامة والسيادة من سبيل، والخروج من وضع يقع فيه الفلسطينيون بين تناقض العرب وهمجية النازي شارون، في ظروف صحوة عليها أكثر من دليل ولكن من يلاحقونها أكثر ممن يصغون إلى صوتها وينصرونها؟! إننا مدعوون إلى ذلك وليس لنا إلا من أنفسنا ما ينصرنا وينقذنا ويحمي وجودنا. ـ رئيس اتحاد الادباء والكتاب العرب