الاحد 22 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 23 فبراير 2003 من بين كل الكلمات التي ألقيت في مجلس الأمن يوم الجمعة الرابع عشر من الشهر الجاري، لا أعرف لماذا استفزتني بشكل غير عادي كلمة وزيرة الخارجية الاسبانية «آنا بلاثيو» التي لم تلتقط من كلمتي السيدين هانز بليكس ومحمد البرادعي سوى الثغرات والنقاط السلبية التي ركزت عليها تاركة كل ما هو ايجابي. أي أنها نظرت إلى العُشْر الفارغة من الكأس وتعامت عن الأعشار التسعة المملوءة.. وما بين كلمة السيدة بلاثيو المنسجمة مع موقف رئيس حكومتها «خوسيه ماريا أزنار» والتظاهرات السلمية التي انطلقت في اليوم التالي في كل من مدريد وبرشلونة وشارك فيها ما يقارب الأربعة ملايين شخص منددين بسياسة حكومتهم رافضين للحرب التي يتعالى قرع طبولها هذه الأيام.. ما بين هذين المشهدين انفصام يجد المحللون السياسيون متعة في الحديث عنه وفك حبال خبائه والتفنن في تقليبه على كل الوجوه عبر الفضائيات وعلى صفحات الجرائد والمجلات. ليس هذا ـ على أي حال ـ هو موضوع حديثنا، ولكنها ملاحظة جرني إليها استفزاز آخر قادم أيضاً من بلاد الأندلس التي يشدنا إليها رباط عاطفي له سند قوي من التاريخ لا يخفى عليكم، وسند آخر من الجغرافيا يسهم فيه البحر الأبيض المتوسط بنصيب وافر. أما مصدر الاستفزاز فهو أيضاً سيدة وصفت نفسها بأنها ليست سياسية نموذجية لأنها وبكل بساطة ـ كما تقول ـ لا تعرف شيئاً اسمه سر، وهي في ذلك لم تأت بجديد مع الاحترام الشديد لكل السيدات والآنسات. هذه السيدة هي «كارمن روميرو» ممثلة إقليم الأندلس في البرلمان الاسباني وعقيلة رئيس الوزراء الأسبق فيليب غونزاليس، التي تحدثت ـ ضمن ما تحدثت ـ قبل ثلاثة أسابيع عن تاريخ اسبانيا وما أسمته «علاقته الاستعمارية» مع العرب، فقالت: «العرب احتلوا بلادي ثمانية قرون ولا يمكنني تجاهل أو تجاوز ذلك»، موضحة أن هذه الخلفية التاريخية هي التي تجعل من الاسبانيين إلى الآن «يخافون من العرب». وتابعت قائلة: «إنني من منطقة قادس، وأعرف بلدان البحر الأبيض المتوسط جيداً، وقد سبق أن عشت في قصر انتقلت ملكيته ثلاث مرات على التوالي بين مسيحيين ومسلمين. كما أن محيي الدين بن عربي ليس لكم، وهو ابن المدينة ويدخل ضمن التراث الفكري الاسباني»! وتساءلت كارمن عن المعنى الملتبس لتعبير «الإسلام العالمي» أو «الإسلام بدون حدود» وقالت في هذا السياق: «لقد انتصرنا في أوروبا بواسطة شينغن على الحدود والإقليميات، وهذا واقع نفخر به، فلماذا يستمر إغلاق الحدود على سبيل المثال بين المغرب والجزائر؟». وعبّرت كارمن روميرو عن الصعوبة التي تجدها على مستوى التواصل مع الشرق العربي والإسلامي وخاصة مع سياسييه. ما بين حديث السيدة بلاثيو ذي الصبغة العدائية المتشددة القارعة لطبول الحرب في مجلس الأمن، وحديث السيدة غونزاليس ذي الصبغة العدائية المرتبطة بخلفية تاريخية لا تحاول اخفاءها نفتح ملفات التاريخ والجغرافيا، ليس بيننا وبين أسبانيا التي تنتمي إليها السيدتان صاحبتا الموقفين فقط، وإنما بيننا وبين الغرب بشكل عام. وليس في ضوء ما حدث فقط بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر واحتدام الجدل مرة أخرى حول فكرة صدام الحضارات، وإنما ابتداء من عام 1480 عندما قام فرديناند ملك أراغون وإيزابيللا ملكة قشتالة بإنشاء محاكم التفتيش لتأسيس اسبانيا القوية المتحدة، معتبرين المسلمين واليهود ـ على حد سواء ـ خطراً يحول دون تحقيق هذا الهدف. وكانت هذه المحاكم التي استمرت 300 سنة تقوم بسجن أو قتل الأشخاص الذين يشتبه في أنهم لا يتبعون تعاليم الكنيسة الكاثوليكية. وكان رجال ديوان مجمع قضاة الإيمان الكاثوليكي (محاكم التفتيش) ينظرون إلى ممارسة الشعائر الإسلامية أو حتى مجرد الاتجاه إلى الكعبة لأداء الصلاة أو الصوم، على أنه جريمة يعاقب عليها بالموت. ثم كانت الكارثة الكبرى عندما بدأ فرديناند وايزابيللا في الثمانينيات من القرن الخامس عشر الميلادي بطرد المسلمين من غرناطة بعد توقيع معاهدة غير متكافئة مع أبي عبداللّه الصغير آخر ملوك بني الأحمر عام 1491، وهي معاهدة رغم ما فيها من إجحاف إلا أنها ضمنت للمسلمين على الأقل ممارسة حريتهم ولغتهم وشعائرهم الدينية وأنظمتهم وعاداتهم باستثناء حمل الذخائر الحية. لكن الملكين الكاثوليكيين (فرديناند وايزابيللا) سرعان ما نكثا بالمعاهدة ونقضا الشروط التي التزما بتنفيذها إلى أجل غير مسمى، فقاما بتعيين أحد الكرادلة لملاحقة المسلمين وخاصة العائلات المسلمة ذات الأصول الاسبانية وإساءة معاملتهم وتشريد الكثيرين منهم وحملهم على التنصر القسري، وحظر عليهم كل ما لهم من حقوق بموجب المعاهدة المذكورة. ولم يكتفيا بذلك بل أمرا بإحراق مليون وخمسمئة ألف كتاب ديني منها وثائق تتعلق بالتراث الإسلامي. ثم كان السقوط الكبير عام 1492 عندما زحف الاسبان على حصون غرناطة وحاصروها إلى ان استسلمت ورحل عنها أبو عبداللّه الصغير باكياً يلاحقه الندم ومقولة أمه الشهيرة: ابك مثل النساء ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجال وفيما بين سقوط غرناطة عام 1492 وعلى مدى أكثر من مئة عام مارس الأسبان كل أشكال القسوة والحقد المدمر للقضاء على من تبقى من العرب والمسلمين الذين فر الكثير منهم إلى مراكش ومصر وتركيا، ومن اضطر منهم للبقاء أخذ في ممارسة شعائره الدينية سراً. ولم يأت عام 1609 إلاّ وقد خلت الأندلس من المسلمين، وبلغ عدد من نفي منهم في الفترة ما بين سقوط غرناطة والعقد الأول من القرن السابع عشر الميلادي حوالي ثلاثة ملايين. أفلا يحق لنا بعد هذا كله أن ندعو السيدة «كارمن روميرو» إلى الاحتكام للتاريخ لمعرفة من الذي يجدر به أن يخاف من الآخر: العرب الذين تشهد آثارهم على ما أقاموه من حضارة في بلاد الأندلس، أم الاسبان الذين تشهد محاكم التفتيش على ممارساتهم اللاإنسانية ليس في حق المسلمين وحدهم، وإنما في حق حلفائهم الجدد اليهود أيضاً الذين تم طرد آخرهم ممن لم يتحول إلى الكاثوليكية مع سقوط دولة بني الأحمر؟ بقي أن نطمئن السيدة «كارمن روميرو» وكل سيدات اسبانيا وآنساتها الخائفات من العرب فنقول لهن: إن عرب اليوم ليسوا من صنف أولئك العرب الذين كانوا يخيفون يوماً ما.. فقد تم تدجينهم وقلِّمت أظافرهم واستؤصلت حتى حناجرهم فلم يعد لهم صوت يُسمع ولا طبل يقرع.. فلتهنأ كل نساء اسبانيا ومعهن نساء العالم أجمع. وإلى أن تحمل بطون نساء العرب رجالاً من صنف أولئك الرجال الذين أخافوهم ذات يوم ولايزال ذكرهم يخيفهم حتى اليوم، فليس لنا إلاّ الصبر الجميل واللّه المستعان على ما تفعلون بنا