الاحد 22 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 23 فبراير 2003 لا شك أن ما حصل مؤخراً على الصعيد السلطوي الفلسطيني لجهة تعيين رئيس وزراء للسلطة الفلسطينية، بعد الكثير من التحديات، قد أعاد الاعتبار لإمكانية العودة الدبلوماسية الفلسطينية مجدداً للساحتين الإقليمية والدولية بعد طول انتظار وذلك بسبب تقديم الملف العراقي على الملف الفلسطيني انطلاقاً من أولويات السياسة الأميركية المحضة ليس إلا. بمعنى أدق، أنه منذ اللحظة الأولى لإعلان الرئيس عرفات عن قبوله بتعيين رئيساً للوزراء حتى عادت القضية الفلسطينية إلى واجهة الأحداث، ولعل ذلك تمثل جنباً إلى جنب في الدعوة البريطانية نيابة عن الدول المانحة لإنجاز لقاء فلسطيني ـ إسرائيلي، بغض النظر عن مستوى التمثيل لكل من طرفي اللقاء أو الحوار، لأن القضية تتمثل في أن إسرائيل وتحت مكبس الضغط الأوروبي هذه المرة قد جلبت لحوار الفلسطينيين، والتي كانت فيما سبق تتذرع بالكثير من الحجج أهمها رفض الطرف الفلسطيني، أعني السلطة للإصلاحات التي نادت بها الدول المانحة. بل أكثر من ذلك، أن الخطوة الإصلاحية جاءت لوأد الاتفاق المعقود بين شارون وبوش، والذي تضمن أنه بعد طرد الرئيس العراقي صدام حسين يأتي فوراً دور عرفات. وحسب الاتفاق، فإنه إذا رفض الرئيس عرفات تعيين رئيساً للوزراء تنقل إليه، كل الصلاحيات لإدارة السلطة، يكون بوسع إسرائيل طرد عرفات ورجاله المقربين من المقر. ولقد بينت ذلك العديد من الصحف الإسرائيلية، فصحيفة يديعوت الصادرة في 9/2/2003 نقلت على لسان مسئول إسرائيلي كبير دون الإفصاح عن اسمه، بالقول: «إننا سنطيره من هنا بمصادقة أميركية، وفي نظر البيت الأبيض عرفات لا يختلف عن صدام حسين، كلاهما مكروه بذات القدر». بأكثر دقة وموضوعية، فقد جاءت خطوة الإصلاح الفلسطيني ولقاء بريطانيا في ظل مرحلة حرجة، ومآزق خطرة كادت لو تأخرت بأن تودي بكل ما صنعه الفلسطينيون منذ أوسلو مروراً بكل الاتفاقيات وانتهاء بالانتفاضة وما حققته على أرض الواقع من مكاسب سياسية، بصرف النظر عن الانتقادات التي تطرح بين الفينة والأخرى لجهة الآليات التي يجب أن تتبع في كل مرحلة زمنية على حدة، قياساً بالظروف وما إلى ذلك من اجتهادات نابعة من الحرص على قضية الشعب الفلسطيني. لكن بعيداً عن هذه الخطوة المفصلية الهامة في حياة السلطة والشعب الفلسطيني على حد سواء، ثمة سؤال لا بد من التطرق له، وهو هل هذه الخطوة حقاً كافية لدرء المخاطر المحدقة بالقضية الفلسطينية؟ قبل الدخول في أتون الأجوبة التي قد ترضي البعض وتزعج بعضهم الآخر، لا بد لنا من الاعتراف بأن حركة الإصلاح الفلسطيني منذ البداية، لم تكن مطلباً أوروبياً أو أميركياً بقدر ما كانت مطلباً فلسطينياً وعربياً في آن معاً، بل أكثر من ذلك أن الكثير من صناع القرار الفلسطيني والعربي، إبان انعقاد كامب ديفيد الفلسطيني، كانوا متخوفين من قيام انتفاضة داخلية بسبب جملة الخروقات التي كانت تمارس في أجهزة السلطة المتنفذة، لدرجة أن الكثير من هؤلاء اعتبر أن دخول شارون إلى الحرم القدسي قد جاء رحمة بالفلسطينيين الذين كانوا على فوهة بركان اقتتال داخلي، وبذلك تحول هذا البركان إلى غضب فلسطيني عارم بوجه شارون وقوات الاحتلال. لكنه بالمقابل لم يغيب المطلب الفلسطيني العام بضرورة إجراء إصلاحات بنيوية داخل مؤسسات السلطة التي حملت كل أمراضها من الخارج إلى الداخل. لكن بالمقابل فالغريب بالأمر، أن أصحاب مطلب الإصلاح نجدهم هذه الأيام يعيبون على السلطة الفلسطينية أية خطوة إصلاحية، بذريعة أن هذه الإصلاحات جاءت نتيجة رؤية خارجية وليست نتيجة لتوجهات فلسطينية ذاتية، دون التوقف ولو للحظة عند تخوم الظروف الضاغطة التي تعيشها الأمة العربية بقضها وقضيدها، متناسين سنوات ماضية من مطالب الإصلاح التي أصبحت سمة العلاقات الفلسطينية الداخلية أو ما يزيد على ذلك حتى. بمعزل عن الدخول بالتفاصيل وبالعودة إلى السؤال السالف الذكر، فقد بات مطلوباً المواءمة ما بين الخطوات الإصلاحية والحوارية التوحيدية، خاصة عندما ندرك أن الإصلاح والحوار خطوتان متلازمتان لا يمكننا الفصل بينهما، وأن أية عملية إصلاحية لا بد لها من توحيد التوجه والإرادة، بحيث يطال هذا التوجه الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والإداري في آن. علاوة على ذلك، علينا أن نعي أن الإصلاح والحوار الهادف إلى وحدة الموقف السياسي، الأساس الموضوعي لقيام الدولة الفلسطينية القادمة، وأنه بظل غياب الوحدة السياسية على المستوى الفلسطيني الداخلي فستبقى الكثير من الأطراف خاصة إسرائيل والولايات المتحدة تستخدم عدم التوحد السياسي الفلسطيني في تأجيل الدخول بخطوات فنية جادة من أجل إعلان الدولة الفلسطينية. بالمقابل فإن تأجيل عملية الحوار غالباً ما تضعف مواقف القوى العربية والإقليمية والدولية التي تدفع في التسريع من حل القضية الفلسطينية وبما يؤدي إلى قيام الدولة الفلسطينية. كما يجب أن ندرك بأن الحوار الفلسطيني التي قادته القاهرة، لم يكن مجرد تقطيع للوقت أو للتسلية، بل جاء نتيجة توجه دولي وعلى رأس هذا التوجه الولايات المتحدة، وأن الولايات المتحدة قد قطعت وعوداً على نفسها للعديد من الأطراف العربية والإقليمية بأنها جادة بالعمل على إنجاز قيام الدولة الفلسطينية بعد حل مشكلة العراق. ومن نافلة القول، فإن الولايات المتحدة وبعض شركائها الأوروبيين، هدفوا من وراء هذا الحوار إلى توحيد قيادة سياسية فلسطينية مؤتلفة من القوى الفلسطينية الرئيسية تقوم بمهام تسيير الأمور تهيئة لقيام الدولة، بصرف النظر عن الأيديولوجيات التي تنتمي إليها هذه القوى . كما أنه ـ الحوار ـ أعتبر جزءاً لا يتجزأ من عملية الإصلاح المرجوة من السلطة الفلسطينية . وهنا للإجابة أيضاً على ما سلف من أسئلة، يجب النظر بجدية إلى أن الخطوة الإصلاحية الأخيرة التي اتخذتها السلطة الفلسطينية تعتبر خطوة مجزوءة ولن تكتمل هذه الخطوة إلا بالعودة لآليات الحوار الجاد بهدف ترتيب البيت الفلسطيني، بغض النظر، أيضاً عن الممارسات الإسرائيلية الجهنمية التي تمارسها قوات الاحتلال الإسرائيلي يومياً. بل أكثر من ذلك، فإن عملية الحوار الهادف والبناء على المستوى الفلسطيني هو جزء من استراتيجية المواجهة الفلسطينية وليس العكس، وأن اللوذ من قبل بعض القوى بالممارسات الإسرائيلية لجهة تأجيل عملية الحوار تصب بخدمة سياسة شارون دون أن تعي هذه القوى تلك الحقيقة المرة، لأن شارون يقود حربه المدمرة على الشعب الفلسطيني من خلال التقسيمات القسرية التي يطلقها على الأصوليين والمتطرفين والإرهابيين وما إلى ذلك من تلك المقولات الرائجة هذه الأيام في قاموسه وقاموس من معه من اليمين الأصولي المتطرف المتحكم في حركية وتوجهات البيت الأبيض. إذاً في غمرة تتابع الأحداث في المنطقة والأيام المقبلة اللاهبة القادمة على العراق من قبل أميركا وبريطانيا، على القيادة الفلسطينية والقوى الوطنية والإسلامية الفلسطينية أن تعجل بتفعيل وانجاح الحوار بدلاً من التأجيل انطلاقاً من أن الحوار هو القاعدة الصلبة لعملية الإصلاح المزمع إجراؤها، والقاعدة الصلبة أيضاً لدفع الولايات المتحدة إلى التقدم بتفعيل قيام الدولة الفلسطينية، دون ذلك سيبقى الوضع الفلسطيني الراهن والمشكلات الداخلية القادمة ذريعة لكي تتهرب أميركا وإسرائيل من دفع استحقاق الحرب ضد العراق والذي يتمثل في الإعلان عن قيام دولة فلسطينية على الأرض وليس من خلال وسائل الإعلام والمخططات المرسومة على الورق. ـ كاتب فلسطيني