الاحد 22 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 23 فبراير 2003 يقول المثل العراقي الشهير: «لا خَطَتْ برجليها ولا خذت سيد علي». واذ اتمنى من كل قلبي الا ينطبق هذا المثل على وضع المعارضة العراقية الوطنية والاصيلة اليوم فإنني اخشى ان يكون الوقت قد فات على تصحيح الموقف وتحسين الصورة التي طبعتها في اذهان جمهور واسع من الرأي العام العراقي والعربي والاسلامي بخصوص الموقف تجاه المخطط الاميركي «المتخفي» باسم نزع اسلحة الدمار الشامل العراقية، لكنه الهادف للسيطرة على مقدرات الوطن الاسلامي برمته. ثمة قول عربي مأثور مفاده «الانطباع اقوى من الحقيقة». فما تركته المعارضة العراقية من انطباع لدى جمهور الرأي العام الاقليمي والعالمي بخصوص التعامل مع التحرك الاميركي تجاه المنطقة عبر بوابة العراق، اظهرها وكأنها باتت «ملحقاً» لمشروع التغيير واعادة رسم خريطة المنطقة على الطريقة الاميركية. وانها، اي المعارضة، باتت اشبه بمن تخلى عن مبادئه ومشروعه الخاص به للتغيير مفضلاً القادم الجديد «القادر» اكثر من غيره على تحقيق غايات المعارضة وآمال الشعب العراقي!! بعد ان اقتنع بها وبات مقراً بمظلومية الغالبية المضطهدة من اهل العراق!! الآن وقد اكتشفت او تكاد بأنها قد خدعت ومن ثم خذلت كما يقول المبرزون ممن روّجوا «للعشيق» باتت اقرب الى من ينطبق عليه المثل المذكور اي: «بعد ان خسرت زواجها الأول مع الجمهور عندما غادرته الى العشيق الجديد ـ سيد علي»، اضحت اليوم وكأنها خسرت «العشيق» او تكاد! وحده الشعب، يجب ان يبقى هو الملاذ الدائم الذي ينبغي لكل النخب السياسية الحاكمة منها والمعارضة ان تلجأ اليه في السلم وفي الحرب لتحديد اتجاه البوصلة في العمل السياسي. والشعب ليس فئة اجتماعية واحدة ولا فئة حزبية ولا فريقاً موالياً او معارضاً بقدر ما هو وجدان العامة من الناس، الشعب ليس بطانة الحاكم وحوارييه ولا بطانة الزعيم وحاشيته انهم الدم الذي يسري في عروق كل مواطن وشريف يأبى الضيم من اي جهة أتى. انهم نبض الامة الذي لا يجتمع الا على الموقف الصح. عندما اعترضنا مبكراً على «عسكرة» المعارضة و«عسكرة» العمل السياسي و«عسكرة» الموقف من العراق و«عسكرة» التعامل مع الصديق والخصم داخل العائلة الواحدة والقطر الواحد والوطن الواحد والعالم الواحد عربياً كان او اسلامياً. وقلنا ان سبب العجز الذي نعاني منه جميعاً ومن دون استثناء انما يكمن في تعاملنا مع ملفات الداخل «القطري والعربي والاسلامي» هو في العمل النخبوي الحزبي العنفي والعسكرتياري صرخ الكثيرون بأن الرجل انما يدافع عن الانظمة!! أو أنه يتنكر للمجاهدين!! في حين ان رأينا كان ولايزال هو ان لا ملاذ ولا خلاص ولا نجاة الا في المجتمع الأهلي ـ المدني الذي يرفض العنف والعسكرة في الداخل وبين اهل البيت والقطر والوطن الواحد، وان السلاح انما يصبح زينة الرجال حقاً فقط عندما يوجه للغازي والمعتدي والمحتل الاجنبي. الآن وبعد كل ذلك التخبط الذي صار مكشوفاً للجميع من جانب النظام العراقي في تعامله مع الداخل والخارج وما واكبه من تخبط للمعارضة العراقية وكذلك الدول والقوى الاقليمية اصبح الشعب العراقي وللاسف الشديد خط الدفاع الاخير عن هذه القضية المظلومة والمهضومة بين اهلها ولدى اصدقائها فضلاً عن اعدائها الذين يتربصون بها الدوائر للنيل منها في الصميم. فهل يستأهل هذا الشعب العظيم بتاريخه وحضارته ومكانته ان يصبح «ولاية» اميركية يسرح بها ويمرح من يريدون «سلب» ثرواته لا غير؟ بعد كل ذلك النضال المجيد والتاريخ العريق في الكفاح منذ عقود طويلة بل وقرون متوالية. اذا كنا حتى الامس القريب نرمي بالمسئولية فقط وفقط على شماعة النظام العراقي، قد يكون ذلك مقبولاً وقد يغفر الله لنا ما قصرنا به تجاه ذلك البلد العظيم وشعبه الكريم. اما وقد اصبح الغريب والبعيد وصانع المصائب لبلادنا بل وحتى العدو الصهيوني يسمح لنفسه بالبحث عن مستقبل العراق فيما نحن اهل هذه المنطقة من عرب ومسلمين ومعارضة عراقية نتصرف وكأن العراق وشعبه من كوكب آخر ولا حول ولا قوة لنا لا في منع الحرب أو لا في طرح البديل او لا في قول لا! ولا في قول نعم! وحجتنا في ذلك انهم لا يستشيروننا او لم يبلغوننا بتحركاتهم او سيناريوهاتهم! فهذا هو البلاء بعينه، وشر البلية ما يُضحك! ثمة من قال لي قبل مدة: «قل لاخوانك الايرانيين ان يرتبوا حالهم على ان اميركا آتية كما الساعة لا ريب فيها! وانها بصدد الانطلاق من «الولاية» الاميركية الجديدة التي اسمها العراق لتأديب الجميع حرباً ام سلماً». انها مأساة حقاً ان نصل الى هذه الحالة من الانهيار والذهول والقبول بالامر الواقع وكأن اميركا قدراً حتمياً لا يمكن تفاديه!! الى الذين ينتظرون سقوط صدام حسين، في العراق ليعم الخير والسلام او التعددية والديمقراطية والحريات في المنطقة نقول: ان الديمقراطية والسلام لايمكن وبأي شكل من الاشكال ان تصنعهما حرب العساكر ومدافع الجيوش. قد يسقط صدام حسين وحكومته، في بغداد في المعركة التي باتت على الابواب رغماً عن اهلها، ولن يذرف احد دمعة واحدة عليهم، ولكن سيكون امامنا الكثير والكثير من التحديات والتداعيات الخطيرة لاننا تخلفنا عن واجب التغيير والاصلاح والكفاح السلمي الدؤوب المرهق للفكر والجسد لصالح «السلام المسلح» وفضلنا دائماً «توازن الرعب» في علاقاتنا الداخلية سواء بين الحاكم والمحكوم او بين ابناء الحكم انفسهم او بين ابناء المعارضة بتياراتها وانتماءاتها المختلفة. وبعد خسراننا العراق وتسليمنا اياه طواعية للأجنبي، كل ما نتمناه نحن ابناء المجتمع الاهلي والمدني في بلاد العرب والمسلمين هو ان نتعلم من تجربة العراق ونستعبر، واولى الخطوات على الطريق فتح باب المشاركة الواسعة للناس كل الناس (وهم مخلصون في الاصل ما لم تدفع بهم النخب الموتورة في الحكم كانت ام في المعارضة الى حضن الاجنبي). في مجتمع السلم الأهلي والمصالحة مع الذات والعودة الى ما قبل الانبهار بكل ما هو قادم من الغرب او النوم على وسادة المجد الغابر. ـ أمين عام منتدى الحوار العربي الايراني