الاحد 22 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 23 فبراير 2003 ليس هذا الحديث للمقارنة بل للذكرى التي قد تنفع المؤمنين. وليس هذا الحديث للإساءة لأحد بل هي محاولة لاستعادة الوعي الغائب في هذه الظروف الدقيقة التي تمر بها الأمة العربية والمنطقة بل والعالم كله. ـ 1 ـ نذكر نحن هذه الأيام ولكن الأجيال الجديدة قد تكون غائبة أو مغيبة. العام كان العام 1970، والظروف كانت فوق الاحتمال فهزيمة 67 كانت تثقل على كاهل الأمة، وعملية اعادة البناء للثأر من هذه الهزيمة كانت تأخذ طريقها بصعوبة ولكن بثقة. وجبهة القتال الأساسية في مصر كانت تعبر مرحلة الصمود في وجه العدوان الى حرب استنزاف تثير جنون العدو الذي كان يملك التفوق العسكري والدعم الأميركي، فيضرب في عمق مصر، ويصب قنابله على المصانع والمدارس في محاولة مستميتة لفرض الاستسلام على مصر.. ومن ثم على العرب. وعلى الجانب الآخر كانت المقاومة الفلسطينية تشب عن الطوق وتفرض نفسها على الساحة وتستعيد الى القوى المقاتلة شعب فلسطين الذي لم يكن يوضع قبل ذلك الا في صفحة «اللاجئين» ومع الميلاد الصعب كانت هناك انجازات كبيرة، وكانت هناك أخطاء عديدة، وكانت هناك صدامات ومعارك وانقسامات.. تجمعت كلها لتنفجر في هذه الأيام السوداء من سبتمبر 1970 حرب بين قوات المقاومة الفلسطينية والجيش الأردني. ومع حمام الدم العربي كانت المخاطر تزداد من تطورات أخطر بعد دخول اسرائيل على الخط من جانب، وتحركات عسكرية سورية وعراقية من جانب آخر، واستنفار أميركي في البحر المتوسط من جانب ثالث. وفي وسط هذا كله تتحرك مصر المثخنة بجراح الهزيمة المشغولة بإعادة البناء العسكري والمشتبكة في معارك يومية على طريق تحرير الأرض المحتلة. يدرك عبدالناصر عمق الهاوية التي يراد للأمة أن ترمي نفسها فيها. ويدعو عبدالناصر الى قمة استثنائية تنعقد خلال 48 ساعة، ولم يكن الرجل يتحرك في فراغ كان يدرك أن زعماء الأمة وقادتها يدركون مثله حجم المخاطر، وقادرون معه على وقف حمام الدم. وكان درس 67 قد علم الجميع الكثير.. فالهزيمة وقعت والعالم العربي منقسم وحرب اليمن تقصف بالعلاقات بين الرياض والقاهرة، ومع ذلك وللانصاف، فإن النظم العربية الفاعلة كانت على قدر عظيم من المسئولية. واذا كان تحرك الجماهير لرفض الهزيمة في التاسع والعاشر من يونيو قد منع العدو من تحقيق أهدافه، فإن قمة الخرطوم بعد ذلك ترجمت حركة الجماهير الى قرارات للصمود والتصدي ثم الثأر والتحرير. والمصالحة التي تمت بين عبدالناصر والملك فيصل كانت تعبيرا على أن الرجلين يقدران المسئولية ويتحملانها بشجاعة في أصعب الظروف. ومن هنا كانت دعوة عبدالناصر لقمة استثنائية في سبتمبر 70 لوقف حمام الدم العربي في الأردن استنادا الى ارادة عربية يعرف جيدا أن الأطراف العربية الفاعلة تسانده فيها. وهكذا كان.. انعقدت القمة في اجواء ملتهبة، ومع ذلك استطاع القادة العرب اطفاء الحريق، وذهب وفد منهم الى الأردن ليعود بياسر عرفات المحاصر هناك، ووضعت اتفاقية لتنظيم العلاقة بين الأردن والمقاومة الفلسطينية. وعندما انفض الاجتماع بعد أن حقق الهدف كان القلب العظيم قد هده التعب، وكان الموت يقف بالمرصاد لرجل الأمة وفارسها الجريح، وكان الشعب العربي كله يودع عبدالناصر وهو يقسم على الثأر من اعداء الأمة. ـ 2 ـ كارثة الغزو بعد عشرين عاما تأتي قمة أخرى وسط أزمة هائلة عصفت بالعالم العربي في أعقاب الغزو العراقي للكويت. كانت الدنيا قد تغيرت، والأمة قطعت في عشرين عاما طريقا مملوءا بالأشواك والورد.. والانتصارات والهزائم.. بمحاولات الالتئام وحروب التقسيم. كانت الأمة في البداية قد حققت نصرها الأكبر في أكتوبر 1973 واثبت تحالف المقاتلين بقيادة القاهرة ودمشق مع المساندين بقيادة السعودية قدرته على الانجاز، وحاربت الأمة وانتصرت بالسلاح والبترول، ووقف العالم كله احتراما لانجاز العرب وتقديرا له. لكن الآمال التي زرعها النصر الكبير سرعان ماتبددت وتحالف أكتوبر لم يستمر طويلا، وعبر سنوات من الإدارة السيئة للصراع من أجل استرداد الحقوق العربية، انتهى الأمر بكامب ديفيد والانقسام العربي من ناحية، وبسيطرة أميركا والدول الصناعية على سوق النفط العالمي من ناحية أخرى، وبضياع الحلم العربي في ترجمة تحالف أكتوبر العربي الى قوة حقيقية تقود العالم العربي الى انتزاع حقوقه المشروعة وأرضه المحتلة ثم الانطلاق لبناء تكتل عربي سياسي واقتصادي يحقق النهضة المرجوة على الأرض العربية. وفي ظل هذه الأوضاع تم الغزو الاسرائيلي لأول عاصمة عربية (بيروت) وخرجت المقاومة الفلسطينية من لبنان، ودخلت العراق حربا طويلة ضد ايران استنزفت الجهد والطاقة من الجانبين. وعندما وضعت الحرب أوزارها وبدأ العرب يلتفتون مرة اخرى لضرورة استئناف مسيرتهم التي توقفت منذ منتصف السبعينيات من أجل الاستقلال والتنمية كان لابد من اغراقهم في الزلزال الذي بدأ بالغزو العراقي للكويت. وفي هذه الظروف تلتئم القمة العربية بالقاهرة في انعقاد استثنائي تذكر به الجميع قمة 70 التي أوقفت نزيف الدم العربي في الأردن لكن ما حدث بعد عشرين عاما كانت مأساة، انقسم الصف العربي، وعجزت القمة عن الخروج بحل عربي للأزمة يحقق انسحاب القوات العراقية من الكويت ويفتح الباب للحوار حول كل القضايا المعلقة. ومارست واشنطن كل الضغوط الممكنة لتمنع الحل العربي ولنفتح الباب ـ بعد ذلك ـ على مصراعيه للتدخل الدولي (قل الأميركي) وجاءت أميركا الى الخليج ولم ترحل بعد ذلك. ومنحت المساهمة العربية المشروعية الكاملة لحرب تحرير الكويت، لكن أميركا ذهبت وحدها بعد ذلك في حرب تدمير العراق وتجويع شعبه المستمرة منذ هذا الحين وحتى الآن. ـ 3 ـ سنوات صعبة.. تلك التي تفصل بين القمة التي أعقبت غزو الكويت، وبين القمة التي يترقب العرب انعقادها اليوم. بعد حرب 91 كانت هناك محاولة عربية لبناء تحالف استراتيجي جديد يجمع بين دول الخليج من ناحية ومصر وسوريا من ناحية اخرى، من خلال ما عرف بتجمع «اعلان دمشق» لكن المحاولة تم وأدها بعد قليل، ووضح للجميع ان واشنطن لا تريد دورا استراتيجيا لأي قوة عربية، وان بناء الجسور بين دول الخليج ودول المشرق العربي لا يتواءم مع الاستراتيجية الاميركية التي تريد الهيمنة على المنطقة، والتي تريد استغلال حرب الكويت لانهاء فكرة «العروبة» من أساسها. وعلى الجانب الآخر كانت القضية الفلسطينية تمر عبر دهاليز مدريد الى اتفاقيات أوسلو وملحقاتها في ذمة التاريخ، وحيث وضح أن المطلوب هو فرض الحل الاسرائيلي بإقامة كيان وهمي للفلسطينيين لا يملك شيئا من مقومات الدولة وتكون أرضه وسماؤه ومياهه واقتصاده وأمنه تحت السيطرة الاسرائيلية الكاملة، وبثمن باهظ هو ضياع القدس والتنازل عن الحقوق الفلسطينية المشروعة وفي مقدمتها حق العودة. ويرفض شعب فلسطين الاستسلام، وتجئ الانتفاضة ردا حاسما على هذه المخططات، وتواجهها اسرائيل باعلان الحرب على شعب أعزل تحت الاحتلال واقامة المذابح اليومية لابنائه، وتواجهها أميركا بالانحياز للسفاحين النازيين الصهاينة بقيادة شارون، ويواجهها النظام العربي بالعجز التام عن فعل شئ. أزمات النظام العربي وفي الطريق الصعب بين نهاية القرن الماضي وبداية القرن الجديد يصطدم النظام العربي بحادثين يضاعفان من أزمته ويكشفان أوضاعه الصعبة. الحادث الأول.. كان سيطرة اليمين على مقاليد الأمور في أميركا مع نجاح بوش في الانتخابات ليبدأ في تطبيق استراتيجية عنصرية تؤكد على حق أميركا في بناء امبراطوريتها الأعظم وحكم العالم بلا منازع. وكان نصيب العرب من هذه الاستراتيجية تصميما على الهيمنة الكاملة على منابع البترول العربية في الخليج، وانحيازا كاملا لاسرائيل في صراعها مع العرب، وانتقالا من سياسة احتواء العراق الى ضرورة الصدام الكامل معه تمهيدا لاحتلاله والسيطرة على احتياطياته الضخمة من البترول. والحادث الثاني كان ما وقع في 11 سبتمبر، واستغلاله بعد ذلك في شن حرب صليبية ضد العرب أولا والمسلمين ثانيا، واعلان أميركا أنها تمثل الخير وأنها ستخوض المعركة ضد محور الشر الذي يمثل العالم العربي قلبه، وبعد حرب تلفزيونية في افغانستان ضد العملاء السابقين، تركز أميركا جهودها على المنطقة العربية وتعلن عزمها على احتلال العراق واسقاط نظامه كبداية لإعادة تشكيل المنطقة وفقا للمصالح الأميركية. وتحشد أميركا قواتها في المنطقة، وتعلن أنها ذاهبة الى الحرب حتى لو رفض مجلس الأمن ذلك، وسواء نزع العراق أسلحة الدمار الشامل التي يقال انه يمتلكها أو لم يفعل، وتفشل كل الجهود في ايقاف جنون الحرب الذي أصبح يسيطر على البيت الأبيض، ومع وصول الحشود الأميركية في منطقة الخليج الى مايقارب المئتي ألف عسكري أميركي مع ترسانة الأسلحة التي يملكونها تبدو الحرب مسألة أيام وليس إلا. ـ 4 ـ في هذه اللحظات، وبعد شهور من الغياب العربي الرسمي ورفض كل الدعوات لعقد قمة عربية طارئة لبحث الموقف، وبعد أن أصبحت حتى القمة العادية المقررة في باريس في مهب الريح، وبعد أن أصبح واضحا أن الحرب لن تنتظر هذه القمة حتى لو تقرر انعقادها، وبطريقة فاجأت العديد من الأطراف تدعو مصر لقمة استثنائية. جاءت الدعوة قبل ساعات من الجلسة التاريخية لمجلس الأمن في 14 فبراير وفي جو مشحون بالتوتر، ووسط تسريبات بأن موعد الحرب قد حددته واشنطن ليكون بعد اجتماع مجلس الأمن بأيام. جهود اللحظة الاخيرة وفي البداية تعددت الاجتهادات والمواقف من الاقتراح المصري.. البعض قال ان القمة المقترحة هي قمة «ابراء الذمة» في اللحظات الأخيرة قبل الحرب، والبعض قال انها تنعقد بضغوط أميركية لتطلب من الرئيس العراقي التخلي عن الحكم، والبعض قال بل تنعقد بطلب من أوروبا التي تريد موقفا عربيا يدعمها في جهودها لوقف الحرب. ومع ذلك، فإن الأمر كله اختلف خلال 48 ساعة من الدعوة المصرية للقمة الاستثنائية ففي نفس اليوم كانت الجلسة التاريخية لمجلس الأمن والفشل الأميركي الذريع في الحصول على أي قرار يؤيد تحركها للحرب، ونجاح فرنسا في قيادتها لمعركة كبح جماح الثور الأميركي الهائج. وفي اليوم التالي كانت عواصم العالم تشهد تظاهرات الملايين الرافضة للحرب في استفتاء عالمي أظهر الادانة الكاملة لسياسة أميركا التي تريد أن تقود العالم الى كارثة بسبب أطماعها في الهيمنة ومطامعها في التحكم بمقدرات البشر. كانت فرصة ذهبية لكي يعود النظام العربي من غيبوبته التي طالت، ويحاول أن تكون له كلمة في تحديد مستقبله المهدد بالحرب الاميركية المجنونة، وفي رسم خريطة المنطقة التي تريد واشنطن أن ترسمها على هواها، وفي وقف آلة الحرب الأميركية ـ الاسرائيلية من المضي في مذبحتها ضد العرب. ولم يكن مطلوبا الا ان نلتحق بموقف أوروبي يرفض الحرب المجنونة، وبرأى عام عالمي يقف كله ضد عصابة اليمين التي تحكم أميركا ومع ذلك استمرت المأساة العربية.. اجتمع وزراء الخارجية وفشلوا في تحديد موعد القمة، ثم بدأت الحروب الصغيرة والمناورات المشبوهة، وتم الغاء القمة الاستثنائية وبقيت القمة العادية تنتظر الالتئام وسط مناخ عربي يهدد بكارثة لن ينجو منها أحد وسيكون ضحيتها النظام العربي بأكمله. وستنعقد القمة ـ اذا انعقدت ـ بعد أيام والعالم كله يقف ضد الحرب التي سيكون العرب جميعا بين ضحاياها، بينما نصف العالم العربي تحول الى قواعد عسكرية لأميركا تعلن أميركا انها ستنطلق منها لاحتلال العراق.. ثم لاعادة تشكيل المنطقة العربية كلها وفقا للمصالح الاميركية وحدها! وستنعقد القمة ـ اذا انعقدت ـ والعالم كله يحاول وقف الجنون الأميركي الذي يستهدف العرب جميعا، بينما العرب أنفسهم ينتظرون الضربة الأميركية وكأنها قضاء وقدر. وستنعقد القمة ـ اذا انعقدت ـ والمذابح الاسرائيلية لا تتوقف، وأميركا تجزل عطاياها لاسرائيل وتزيد دعمها للسفاح شارون وتضاعف من المليارات التي تضخها في الاقتصاد الاسرائيلي لانقاذه من أزمته. وستنعقد القمة ـ إذا انعقدت ـ لتكون شهادة بعودة العرب الى الحياة اذا نجحوا في بناء موقف يرفضون به الحرب الأميركية، ويطالبون كل الأطراف ـ بمن فيهم أميركا واسرائيل ـ بالتزام الشرعية الدولية، ويؤكدون انهم لن يسمحوا للولايات المتحدة باستخدام أراضيهم منطلقا للعدوان على بلد عربي، ولن يمنحوها أي تسهيلات عسكرية في حربها غير الشرعية. وبدون ذلك فإن القمة ـ اذا انعقدت ـ لن تكون أكثر من مناسبة لتأبين ما كنا نسميه بـ «النظام العربي» وقراءة الفاتحة على روحه الطاهرة! ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية