الاحد 22 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 23 فبراير 2003 نواصل اليوم قراءتنا للصدى غير العادي الذي خلفته الاصابات الجسدية في نفوس اصحابها، وكيف ساهمت في تغيير مواقفهم وأهدافهم في الحياة وقادتهم الى استلام مهمات استثنائية يعجز عنها كثير من الاصحاء. ومن بين الشواهد التي تعزز هذا الرأي سيرة الطبيب «ابراهيم مالك سامبا» الذي تسببت اصابته في سن الرابعة عشرة في تحديد مستقبله العلمي، وغيرت مسيرة حياته الهادئة الى حياة حافلة بالانجازات الوطنية والانسانية، وقدمته للعالم كسفير فوق العادة للفقراء الباحثين عن الشفاء في مجاهل افريقيا. لقد كللت مهمته بالنجاح، وهييء لسفارته ان تنجز مهمتها على خير وجه، وكان نتيجة ذلك الجهد الخلاق ترشيحه لرئاسة منظمة الصحة العالمية عام 1998 بسبب جهوده الفائقة في مكافحة العمى النهري بالاضافة الى مكافحة البيروقراطية والفساد والرشوة في الاجهزة الحكومية. بدأت حكاية الطبيب المتألق سامبا مع الطب اذن حين كسرت ساقه، ودخل على اثرها المستشفى وخاض تجربتين في آن معاً، الاولى شعوره بالالم والضعف نتيجة الاصابة في ساقه، والثانية تعرفه على طبيب اسكتلندي اعجب به وأحب مهنة الطب من خلاله، وقرر منذ تلك التجربة ان يتعلم، وسرعان ما تخرج وصار مؤهلا لدراسة الطب في لندن، لكن فقره جعله يلتحق بجامعة «غانا» وهو ما اضطر امه لبيع مصاغها كي تؤمن نفقات دراسته هناك. وفي عام 1980 طلبت منه منظمة الصحة العالمية ان يسافر الى «بوركينا فاسو» لتولي ادارة مشروع مكافحة عمى الانهار هناك، وهو مشروع لم يكف عن الفشل من عام 1947 حتى مجيء ابراهيم سامبا وتكون المفاجأة ان ينجح الرجل وتتحقق المعجزة على يديه!! والسؤال: ترى لو لم تكن ساقه قد حملته الى المستشفى ليتعرف هناك على الطبيب الايرلندي الذي حمله الاعجاب به الى الاتجاه الى الطب هل كانت افريقيا ستنعم بالشفاء من مرض عمى الانهار؟ هذا السؤال اجاب عنه الزمن، كما هيأ له شاهدا آخر من انجلترا متمثلا في «هربرت جورج ولز» الكاتب الانجليزي فائق الشهرة الذي كتب في الاحياء والخيال العلمي واهتم بالمشكلات الاجتماعية والقضايا السياسية، وترك مجموعة من المؤلفات من ابرزها «خلاصة التاريخ» و«العمل والثروة والسعادة البشرية» و«تجربة في الحياة» التي صدرت عام 1934. وقد اكدت سيرته الذاتية وجود رابطة خفية بين المرور بأزمة صحية وتفتح الملكات الذهنية لدى بعض الافراد الذين توفرت لديهم القدرة على التكيف مع المناخ الجديد الذي جلبه المرض. فقد تعرض لحادث شغب طفولي اسفر عن سقوطه ارضا على يد احد الاولاد الكبار الذي قام برفعه عاليا في الهواء ثم رمى به على الارض ليسفر الحادث عن تهشم في ساقه اضطره الى الجلوس في البيت لفترة طويلة من الزمن. لقد منحت تجربة الجلوس القسري في المنزل الصبي «ه.ج. ولز» الفرصة الذهبية ليتجه الى القراءة باحثا عن السلوى، ومفتشا عن المتعة التي فقدها حين لازم الفراش، وحرم من مغادرة الدار. ولم تخيب الكتب ظنه بل اعطته فوق ما كان يتأمل، وعوضته عن الاستمتاع باللهو واللعب رياضة عقلية وسياحة ذهنية اغرته بالاستمرار، ودفعته ليكون أحد القراء النهمين المولعين بالبحث واكتشاف الجديد من المعرفة. وبعد عدة سنوات من اصابته في ساقه يتعرض لثقب في رئته اثر مباراة خشنة في كرة القدم ألزمته الفراش من جديد ودفعته ليبدأ طقوس الكتابة التي حدثناكم عن بعض نتائجها آنفاً. لقد دفعته الاصابة الاولى اذن نحو القراءة، ودفعته الازمة الصحية الثانية نحو الكتابة وكأنه كان بحاجة الى محطات توقف الزامية ليلتفت الى نفسه، ويدخل دورات تأهيلية هيأتها الظروف الجديدة ليتخرج منها قارئاً جاداً وكاتبا مرموقاً. ومن جديد يتكرر السؤال: كيف يمكن بعد هذه التجارب الانسانية الناجحة ان يشك البعض في قدرة الانسان على المواجهة وقبول التحدي وكيف يمكن ان ينظر الى الازمات الصحية على انها الصخرة التي تتكسر امامها ارادة الانسان؟ أفلا تنفي التجارب العملية التي استعرضناها في يومين كل تلك الشكوك والاوهام وتؤسس لنظرية مخالفة عما يظنه بعض الاصحاء حول الدور المحوري للصحة البدنية في اطلاق الطاقات الانسانية، وان اي خلل يطرأ عليها سيحول بين الانسان وبين تحقيق طموحاته في الحياة؟! لقد قال المتميزون ممن تعرضوا لأزمات صحية قاسية كلمتهم الفاصلة وضمنوا الجولة لصالحهم. «وفي الغد ثمة مزيد من الاضاءات»