الاحد 22 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 23 فبراير 2003 من بين كل ثلاثة فناجين قهوة تخرج الى ردهات فنادق كوالالمبور هذه الايام يكون احدها حتماً من نصيب صحفي بالضرورة. ربما يذهب احد الاثنين الى دبلوماسي. من الصعب الجزم بعدد الدبلوماسيين المتدفقين على العاصمة الماليزية. هناك احصاءات رسمية تؤكد تواجد 2300 صحفي في المدينة الاسيوية الانيقة لتغطية عدم الانحياز. مصدر الشك ازاء عدد الدبلوماسيين يعود ـ في احد جوانبه ـ الى حكومات المجموعة نفسها. في معظم هذه الدول ـ ان لم يكن جميعها ـ لم تعد الوظيفة ذاتها قاصرة على الحرفيين المحترفين. اصحاب «الكرير» الدبلوماسي ضاعوا وسط «الكرور» الدبلوماسي الذي امست وزارات الخارجية وبعثاتها تعج به. اكثر من ذلك لم يعد حمل الجوازات الدبلوماسية قاصراً على ملاك وزارة الخارجية اذ تقولت عليها جهات اخرى بقوة السطوة التي تتمتع بها في دول المجموعة. فنادق كوالالمبور المتدثرة بالخضرة تعج بحركة دؤوبة بالليل والنهار. ثمة سياج امني بشري متعدد المتاريس يطوق الامكنة المخصصة للقمة وضيوفها. كأنما هناك توجيه رسمي صارم صادر لأفراد الأطقم الأمنية المتمترسين حول الفنادق والمنتشرين داخل ردهاتها بتعمد بث الطمأنينة بدلا من الرهبة التلقائية التي تنبعث في نفوس القادمين. جميع القوى الامنية مسلحة بابتسامات عريضة وبشاشة ليس مصدرها فقط سماحة الشعب الماليزي الوديع. قمة كوالالمبور يمكن ان تشكل منعطفاً استثنائياً في تاريخ عدم الانحياز او تصبح رقما اضافيا في رصيد الحركة كسابقاتها. القمة تأتي في ظروف سياسية عالمية حرجة. قد تكون التجمع السياسي الاعلى والاكبر قبيل ارتكاب بوش حماقته المرتقبة في العراق. اي مناشدة تصدر عن القمة وفي اي لغة حادة وصارمة ـ كما يجري اعداد البيان ـ لن تضيف جديدا لازمتي العراق والحركة. المناشدة لن تكبح بوش الذي بات هو نفسه تحت ضغط اكثر من عنصر بينها احتمال النكوص عن الضربة. الاكثر جدوى للحركة ان تعكف على دراسة كيفية بعث دورها واستنباط الادوات الناجعة لتفعيل ذلك الدور. في غياب قطب اخر لم يعد امام هذه المجموعة متسع للحياد او عدم الانحياز. لو تنهض الحركة وقوامها 114 دولة بمسئولياتها على الصعيد العالمي من منطلق موحد في سياق موقف واحد لأصلحت حال الامم المتحدة وشكلت هي نفسها القطب الاخر الذي يجري البحث عنه. المجموعة تشكل ثلثي عضوية المنظمة الدولية. افلا يعيد ذلك للامم المتحدة هيبتها المنتزعة ؟! ازمة عدم الانحياز الجوهرية انها لم تفقد فقط هامش المناورة بين قطبين انما في عجزها عن استيعاب تلك الحقيقة على نحو يحرضها على استحداث قواعد جديدة للعبة السياسية في مواجهة القطب الواحد. عجز الحركة ناجم عن فقدها ذلك الطراز من الرجال البناة المؤسسين المتمثل في ناصر، نهرو وتيتو، سيكاتوري، سوكارنو ونكروما. ذلك رعيل كان ينعم بالقدرة على الابتداع وبالجرأة على المواجهة. حاليا باتت الحركة اسيرة للضعف امام الاقوياء والفقر امام الاثرياء فارتهنت ذاتها للتظاهرات الموسمية غير المؤثرة. ما لم تكسر هذه المجموعة دائرة الركون داخل دائرة رد الفعل والقفز الى منصة زمام المبادرة لن تكون حركة لهذه المجموعة. بشيء من العمل يمكن ان تصبح حركة عدم الانحياز تكتلاً يخشى بأسه. امام مهاتير محمد الذي تتسلم بلاده زمام الحركة غداً فرصة استثنائية لاعادة البعث في روح هذه المجموعة ودفعها خارج اطار السكون السياسي. في رصيد الرجل الذي جعل ماليزيا «نمراً اسيوياً» قدر من الكاريزما واسهامات فكرية تؤهله للرهان عليه. بعد حين يهجر مهاتير المسرح السياسي في مشهد استثنائي بالنسبة لرؤساء دول المجموعة وحكوماتها اذ يتنازل طوعا. هذا فقط يرشحه للرهان. حاجة الحركة ملحة لمن ينفح فيها الامل. نحن في حاجة اكثر منها للابقاء على جذوة الامل اذ في بعثها سبيل مصادمة الهيمنة الاحادية المتوحشة. الادارات الماليزية عمدت الى استثمار المناسبة، كل على طريقتها. وزارة السياحة اعدت برامج للصحفيين واختصت بها القادمين من أقطار بعينها للتعريف بالبنية السياحية الماليزية. لدى ماليزيا ثراء سياحي مهول. في ظل التداعيات الناجمة عن 11 سبتمبر تطرح ماليزيا ـ وهي محقة ـ نفسها بديلا ملائما امام الذين يخشون المهانة والخشونة في التعامل لدى البوابات الغربية. البرامج التي اعدتها الوزارة المالية تساهم في تفريغ العاصمة ـ ولو مؤقتا ـ من الحمولة الاعلامية العالية. عندما استهل وزراء الخارجية اعمالهم في كوالالمبور كنت ـ ضمن فريق ـ في منتجع في حضن الغابة والبحر اجمل ما يكون لقضاء شهر عسل. ولاستمتع بالمشهد حتى النقطة الاخيرة اضربت عن الصحافة والفضائيات. طبع بعض الزملاء او تطبعهم ـ سامحهم الله ـ لا يمكنك من الاستمتاع كما تود. حتى الان يحظى الوفد الكوري الشمالي بالمغناطيسية الاكثر سطوة لدى الصحفيين. فهو صاحب الرقم القياسي بين الوفود المطلوبة للحوارات الصحفية. الوفد العراقي بل طه ياسين رمضان شخصياً يأتي في المرتبة الثانية وفق احصاءات سكرتارية المؤتمر. بالطبع لن يتمكن رئيس الوفد الكوري من تلبية طلبات 22 صحفياً كما لن يتيح الزمن لرمضان لقاء 17 صحفياً والطلبات لاتزال تترى. العائدون من منتجعات شهر العسل مطالبون بالركض في اتجاهات اخرى اذا كان لديهم القدرة على الركض بعد الاستجمام والاسترخاء في حضن الطبيعة البكر.