السبت 21 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 22 فبراير 2003 بعضنا يحلم طويلاً، وبعضنا يحلم كثيراً، وآخرون منّا يكتنفهم حلم متواضع، بينما تظل أحلام أخرى وارفة، ممتدة، متطلعة نحو السماء.. وبين تلك الأحلام جميعها يمتد الأمل للوصول إلى نقطة ما، فقد تكون تلك النقطة الحلم يسيرة تراها العين، أو قد تكون خرافية لا تطالها حتى كف عفريت علاء الدين! ومن الحلم الذي تحول إلى حقيقة يشير الأوروبيون إلى أنه لم يسبق لأوروبا ان كانت أقرب إلى اقامة وحدة سياسية مما كانت عليه عندما جاءت بكل أحلامها وآمالها وتفاصيل واقعها المتعرج إلى ماستريخت، ولكن الطريق التي قطعتها إلى هناك كانت مليئة بالوعود والانقسامات والتقاعسات أحياناً. والواقع أن فكرة اقامة أوروبا غربية موحّدة سياسياً أقدم بكثير من تأسيس السوق الأوروبية المشتركة أو الأسرة الأوروبية في عام 1957، إلا أن الخصومات القديمة حالت دون تحقيق ذلك الهدف، فقد كانت الشكوك والريبة متعمقة، وقد عبّر عنها رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل بصدق أثناء دردشة مع طبيبه الخاص في عام 1952 عندما قال: «إنني أحب بلجيكا وفرنسا، بل أعشقهما، ولكن يجب ألا نسمح لأنفسنا بالنزول إلى هذا المستوى». ويبدو أن بريطانيا وبصورة خاصة كانت تخشى على الدوام الإقدام على أية خطوة، ربما تشكل تنازلاً عن سيادتها الوطنية في مجال السياسة الخارجية، ومع انها كانت أعلى الأصوات المعارضة، إلا أنها لم تكن الوحيدة في سكب الماء البارد على مساعي ورغبات الوحدة الأوروبية، ففي الستينيات وضع ونستون تشرشل شخصياً الفيتو على مساعي بريطانيا إلى السوق المشتركة، مشيراً إلى أن البريطانيين ليسوا جاهزين بعد للانضمام إلى أوروبا. لكن المثير في الأمر ومن سخرية القدر أن تشرشل نفسه هو الذي دعا في عام 1946 إلى اقامة «ولايات متحدة أوروبية» وذلك في أعقاب حربين عالميتين شهدتهما أوروبا خلال أقل من ثلاثة عقود، وكانت هولندا ولوكسمبورغ وبلجيكا قد أسست آنذاك وحدة اقتصادية باسم البنيلوكس، وجاء العام 1951 ليبذر البذور الأولى للوحدة الأوروبية الغربية عندما شكّلت فرنسا وايطاليا وألمانيا الغربية مع بلدان البنيلوكس الأسرة الأوروبية للفحم والصلب التي أصبحت السلف للأسرة الأوروبية أو السوق المشتركة، وقد وضعت هذه المنظمة التي طرحت فرنسا فكرتها انتاج الصلب والحديد في أوروبا تحت اشراف سلطة واحدة انطلاقاً من مقولة ان ذلك سيجعل الحرب، خاصة بين فرنسا وألمانيا مستحيلة من الناحية المادية. وبذلك وفي العام 1957 شكلت دول منظمة الحديد والصلب الست الأسرة الأوروبية، ومع حلول العام 1961 شعر أولئك أنهم أغفلوا أي ذكر للتعاون السياسي، فبدأوا حواراً حول الوحدة السياسية لم يُكلل بالنجاح بعد اصرار ألمانيا الغربية وايطاليا وفرنسا على اشرافها على السياسة الخارجية. إلا أن رياح التشاور هبّت من جديد مع حلول عام 1969 أردفتها دراسة عام 1975 استنتجت أن تلك المشاورات غير كافية، وانه يجب صياغة سياسة خارجية رسمية للأسرة. وفي عام 1980 كانت الظواهر تدل على أن الوحدة السياسية الأوروبية قد ماتت! ومع اشتداد أوار الحرب الباردة اثر نشر أعداد جديدة من الصواريخ في أوروبا، خفضت الأسرة الأوروبية أنظارها وبدأت مرحلة ما يسمى بمرحلة الاحتقان الأوروبي، وكان هذا الوضع هو الخلفية للسخرية التي أبدتها مارغريت تاتشر رئيس وزراء بريطانيا السابقة من فكرة الولايات المتحدة الأوروبية وذلك في خطابها الذي ألقته في بروغ البلجيكية عام 1988، ولكن في أواخر العام 1990 وبعد خروج تاتشر من 10 داوننغ ستريت، ومشارفة الحرب الباردة على نهايتها، بدأت بلدان الأسرة الأوروبية تجري محادثات منفصلة فيما بينها حول الوحدة السياسية والنقدية، فمهدت بذلك الطريق إلى ماستريخت. ومن الحلم نلتقط الحكاية من جديد، وهنا إما أن تكون الوسيلة لتحقيق الحلم نظيفة صافية، أو أن تكون خبيثة دامية. والحكمة القديمة تقول: «إذا لم تستطع أن تنال صولجان المملكة، فلا تحاول أن ترتدي عباءة الأمير، أو أن تلبس حذاءه». وحكاية هذه الحكمة تشير إلى أن العصور الغابرة أفرزت أميراً فاسداً جباراً لم يسلم من ظلمه حتى الحجر، ومضت الأيام وتبعتها السنون وأفراد المملكة يعانون ويحلمون بالخلاص والرحمة، حتى جاء اليوم الذي قرر فيه الأمير القيام برحلة صيد بريّة، وجاء الأمر فاتجه الموكب بزعامة الأمير ناهباً الأرض حتى وصل إلى المكان المطلوب، وهناك استقر الرحل، فبنيت الخيام، وقضى الأمير وقته قانصاً حيوانات البراري، وبينما أيام الرحلة تتساقط والأمير في خلوته بعيداً عن حراسه وصحبته، وإذ بذاك الحيوان الخرافي المذهل الذي يحاول مهاجمته وافتراسه. وما هي إلا ثوان حتى قفز هذا الحيوان في وجه الأمير، إلا أن الأرض انشقت عن شاب قوي البنية أحلامه تلامس أركان السماء، كان يتابع الأمير ويحلم أن يكون من حظوته، ضرب بسيفه رأس ذاك الحيوان ضربة فصلت رأسه عن جسده، وبينما الأمير ساقطاً يستغيث، والحيوان سابحاً في بركة من دمه والشاب المنقذ ماسكاً سيفه بقبضة حديدية منتظراً ثناء الأمير، وصل الحرّاس فأمر الأمير بالقبض عليه موجهاً له تهمة محاولة اغتياله، فاقتيد إلى خيمة قريبة من خيمة الأمير، وهنا لم يجد هذا الشاب الذي سقط في ظلم نفسه وطمعه منقذاً سوى الأمل والحلم بالحرية. وقضى الشاب ليلته حتى غلبه النعاس وأخذه الحلم فرأى عجوزاً يحادثه: يا بني إن لم تستطع أن تنال صولجان المملكة فلا تحاول أن تلبس عباءة الأمير أو حذاءه. وهكذا ظل الصوت يتكرر حتى استيقظ الشاب، فبدد غفوته وامتلك قوته وعزيمته ونجح في مغافلة الحراس، واتجه لخيمة الأمير فضربه بسيفه، وهنا أعجبته العباءة فارتداها وأغراه الحذاء فلبسه دون أن يفطن أحد، واتجه لفرس الأمير فامتطى صهوته وسابق الريح كي يصل إلى المملكة ويمسك بزمام الحكم، وبينما هو يدخل أطرافها وحيداً، إذ بمجموعة من أفراد المملكة الذين طاردهم الجوع والظلم فظنوه الأمير بتلك العباءة والحذاء، فأجهزوا عليه وأردوه قتيلاً.. وتنتهي الحكاية بحضور العجوز الذي رآه الشاب في الحلم مردداً: لماذا ارتديت العباءة ولبست الحذاء يا هذا؟ وفي ظل هذا الصراع المخيف ورياح الحرب المقبلة يبدو أن البعض لا يريدون الاستفادة من دروس الماضي، فرقعة الشطرنج تحركها أياد كثيرة، والسؤال الذي يردده الأوروبيون في كتاباتهم وبرلماناتهم، لماذا يرتدي رئيس وزراء بريطانيا توني بلير عباءة بوش وحذاءه؟!