السبت 21 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 22 فبراير 2003 ترى هل يمكن ان يكون المرض احد العوامل المحركة للطموح لدى الفرد؟ وهل ثمة رابطة بين الشعور بالألم وبين الاصرار على تحقيق الذات مهما كان الثمن المبذول في سبيل تحقيق هذه الغاية؟ ان التفاتة واحدة الى المبدعين عبر التاريخ الانساني تؤكد ان ثمة رابطة خفية بين التعرض لأزمات صحية وبين ارتفاع سقف الاهداف واجتياز مصاعب الحياة بنجاح قد لا يدرك نظيره كثير من الاصحاء. ولعل مرد ذلك الى ما تثيره الازمة الصحية من مشاعر التحدي والرغبة في اثبات الذات والخروج من أسر المحنة الى العالم الخارجي حيث الحياة الشديدة التنوع، والايقاع المرتفع الذي يسمع الاحياء ويحرضهم على المشاركة والحركة. وفي تاريخنا الاسلامي نماذج سطرت بمواقفها أروع دروس التفوق على الاعاقة الجسدية في سبيل تحقيق غاية عليا آمن بها اولئك الاشخاص وملكت عليهم نفوسهم وقدموا من خلالها اروع الامثلة على ان التميز ليس في الشكل والمظهر وانما في المعدن والجوهر. من اولئك الاعلام «احمد بن جحش» الرجل الكفيف الذي كان يجوب مكة من أعلاها الى اسفلها دون قائد وكان أول مهاجر في الاسلام. ومنهم عبدالله بن أم مكتوم حامل الراية يوم القادسية الذي عرض على قائده سعد بن ابي وقاص بأن يوليه الراية في تلك المعركة المهمة من معارك الاسلام، وبرر طلبه المثير للاعجاب بقوله: «هذا يوم مشهود من ايام الاسلام، ولابد من الثبات فيه، اعطني الراية فإن فرّ المبصرون لكثرة الاعداء، واحتدام القتال فإني لن افر لأني اعمى لا ابصر ما يبصره غيري..». لقد تحولت المحنة الى منحة وتحول المرض الى طاقة خلاقة تحرك في الانسان الرغبة في ان يكون شيئاً مذكوراً مهما علا ثمن التضحيات وارتفعت فاتورة العمل الذي يطمح الى انجازه. ولم تكن «الخنساء» اقل حماساً في التفوق على فقدها لنعمة البصر، واثبات فاعليتها في المجتمع الاسلامي حين حرضت ابناءها الاربعة على الاشتراك في القادسية، وطلبت منهم ألا تراهم بين الاحياء بعد انجلاء المعركة. ترى أي نوع من الطاقة اللامحدودة التي يمتلكها من شاءت لهم الاقدار ان يصابوا ببعض الامراض التي عجز الطب عن ايجاد علاج لها؟ وما هي الفلسفة التي اعتمد عليها من تفوقوا على ظروفهم الصحية واثبتوا تميزاً في الشخصية وكفاءة في الاداء جعلت من كثير من الاصحاء ينظرون اليهم نظرة الاعجاب والاكبار والاحساس بالضآلة أمام هذا التألق الانساني الذي فتح لاصحابه نافذة على المجد لن تغلق في يوم من الايام. ومن النموذج الاسلامي الى النموذج العالمي يتحرك القلم الراصد ليثبت ذلك النبوغ الذي تحصّل لمن تمردوا على المرض، وتحرروا من الشعور بالاحباط والعجز وانطلقوا يثبتون ذواتهم على النحو الذي يرضي طموحهم، بما يقطع الشك باليقين بأن النفس البشرية حين تواجهها التحديات تزيدها اصراراً على الانتصار وتطرد عنها شبح الهزيمة والاستسلام للظروف الصعبة. فهذا هوميروس الشاعر الضرير صاحب ملحمتي «الالياذة» و«الاوديسة» اللتين ادخلتاه التاريخ كواحد من ابرع الشعراء الذين رووا الاساطير الاغريقية واثبت من خلالهما معرفة عميقة بالتاريخ والاديان يؤكد من جديد على القدرات الكامنة لدى كل انسان بغض النظر عن كونه صحيح الاعضاء أو يعاني من نوع من الاصابة في احد اعضائه ومازال العالم الى اللحظة يستفيد من ذلك الزخم المعلوماتي والتدفق الشعري في تلك الاساطير القديمة. ومن الشعر الى الادب، ومن اليونان الى روسيا تستمر نجاحات الانسان، وتتواصل انجازاته رغم التحديات فهذا «دستوفيسكي» الكاتب الروسي الشهير والروائي العالمي البارز الذي الف مجموعة من الروايات التي حققت شهرة عالمية اثبت من جديد ان ارادة الانسان لا تعرف المستحيل. حتى ان روايته الذائعة الصيت «الاخوة كارامازوف» وضعته في سلم الأدب في الرتبة الثانية بعد شكسبير وهذا ما لم يتوفر لسواه من الروائيين رغم اصابته بالصرع، وتعرضه لنوبات من الألم، نتيجة هذه الاصابة التي لازمته طيلة حياته. كما جرّت عليه افكاره غضب القيصر الروسي الذي نفاه الى سيبيريا وهو في الثامنة والعشرين من عمره فألف كتابه «رسائل من بين الموتى» الذي دون فيه مشاعره في تلك المحنة القاسية التي تعرض لها. وله من الانتاج الروائي الكثير من الاعمال الخالدة مثل «الجريمة والعقاب» «القرين» «مذلون مهانون» «المساكين» واعمال اخرى نجا بها من الوقوع في براثن المرض، وانتصر من خلالها على محنته القاسية. ان اللافت في مثل هذه التجارب الانسانية التي تختلف في جغرافيتها المكانية، وتوقيتها الزمني، وفي شخوصها من حيث هويتهم وانتمائهم، ومن حيث الفعل والاثر الذي تركوه خلفهم، ان ابطال هذه التجارب قد تمردوا جميعا على المرض، واثبتوا ان الانسان اذا قرر الانتصار في معركة الحياة فسوف ينتصر لا محالة. «وفي الغد يستمر السرد»