السبت 21 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 22 فبراير 2003 منذ أوائل العقد الأخير من القرن الماضي، هيمنت ظاهرة «العولمة» على اهتمامات الباحثين والمختصين، واثارت جدلاً واسعاً، لا يزال محتدماً، على المستويات الفكرية والسياسية والاقتصادية عبر العالم. البعض يرى العولمة شراً مطلقاً بالنسبة للدول والشعوب المستضعفة، في حين يعتبرها آخرون فرصة سانحة لادخال العالم في مرحلة جديدة من الوحدة والمشاركة في ثمار الثورة التكنولوجية والمعلوماتية التي نشهدها اليوم. ويبدو ان المعارضين فهموا العولمة او فسروها على انها ليست سوى محاولة لتعميم «النموذج الاميركي» او «أمركة العالم» بالقوة، بينما غفل المؤيدون، او تغافلوا، عن واقع الاختلال الراهن في الموازين الدولية وعن طبيعة النزعة التسلطية والاستبدادية الملازمة لكل القوى الامبراطورية على امتداد التاريخ البشري كله، وكما هو الحال اليوم بالنسبة للولايات المتحدة الاميركية. غير اننا اذا اخذنا العولمة كمفهوم مجرد وبحسب الدلالة اللفظية، من حيث الشمول والعمومية، فإنه يمكننا النظر إليها والحكم عليها من خلال الممارسة الفعلية وطرائق التطبيق، دون اعتبارها في حد ذاتها خيراً محضاً او شراً مطلقاً. ومن هذا المنطلق، اذا كانت العولمة كما عرفناها خلال السنوات الماضية وكما ارادتها القوى الكبرى هيمنة وتسلطا، فإن ما شهدناه خلال الايام الماضية من مظاهرات عالمية، بكل معنى الكلمة، هو الوجه الآخر للعولمة او «العولمة المضادة». فلم يسبق في التاريخ المعروف ان عمت المظاهرات مختلف اركان الكرة الارضية، من اوكلاند في نيوزلندا الى لندن، ومن طوكيو الى سانفرانسيسكو في الولايات المتحدة، وفي توقيت متزامن هو الخامس عشر من فبراير 2003! ومع ان المحرك المباشر لهذه التظاهرة العالمية هو معارضة الحرب التي تعد لها الولايات المتحدة وبريطانيا ضد العراق، الا ان التظاهرات ضمت كل الفئات والتوجهات السياسية والفكرية والنقابية وعموم الناس العاديين بمن فيهم مسنون لم يسبق لهم ان شاركوا في مظاهرة من قبل! كما ان اللافتات والشعارات التي نادى بها المتظاهرون لم تقتصر على معارضة موضوع الحرب ضد العراق أو مبدأ الحرب عموماً، وانما شملت قضايا وموضوعات مختلفة ومتنوعة لا يجمعها الا رابط واحد هو معارضة هيمنة اميركا وسياساتها الاحادية التي بلغت ذروة تطرفها في عهد الادارة الحالية. لذلك فإن ما حدث في الخامس عشر من هذا الشهر يعتبر بكل المقاييس منعطفاً تاريخياً جديداً وثورة عالمية حقيقية، لا تقل أهمية عن غيرها من الثورات والاحداث التاريخية الكبرى، وقد تكون بداية النهاية للامبراطورية الأعظم في التاريخ المعاصر، والأكثر عداء لمصالح الشعوب واستقلالها