السبت 21 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 22 فبراير 2003 أغلب من تابع منّا التظاهرات المليونية التي اجتاحت العالم شرقه وغربه، وحتى في عقر الدارين البريطانية والأميركية، راح يقارن بين الاحتجاجات الصاخبة على حرب توشك أن تندلع على بلد عربي، وحالة الصمت شبه التام في البلدان العربية التي غلفها السكون، وكأن ما يدور لا ناقة لنا فيه ولا جمل، رغم ان الذبيحة من بني جلدتنا. البعض أخذه اليأس ودفعه القنوط إلى نوبة جلد للذات «العقيم» التي استكانت ورضيت بالخنوع، وكأن الجينات العربية تنحت عنها بذور الاعتراض على الظلم ولم تعد تعطى سوى ما يبعث على الاستسلام للقدر الأميركي المحتوم! العراق عراقنا، والمحتجون أناس غيرنا، فهل حقاً يعبر الصمت العربي عن نوع من الموات الاحتجاجي على كارثة تكاد تحل فوق رؤوسنا؟ وهل يعني عدم خروج الجماهير العربية إلى الشوارع ـ إلا فيما ندر ـ تجاهلاً للمصيبة التي لم تعد خافية على أحد؟! في سنوات التحرر الوطني، ودحر الاستعمار الغربي، ضحى المواطن العربي بأعز ما يملك «نفسه» دفاعاً عن حرية وطنه، وقدمت شعوب عربية مئات الآلاف من الشهداء وصلوا إلى المليون شهيد في الثورة الجزائرية، ولا تزال الأرض الفلسطينية حتى اليوم تقدم الشهيد تلو الآخر، أليس هذا دليلاً يدحض أصحاب نظرية «العقم» العربي، ويدين من ذهبوا إلى آخر الشوط في جلد الذات العربية وتحميلها كل الخطايا وإن تغلبت الأمراض على البدن العربي في الوقت الراهن ؟ دعونا إذن نتساءل عن الأسباب التي وقفت وراء بذل التضحيات بالنفس في فترات ليست بالبعيدة، والسلبية الظاهرة في الوقت المعاش بدلاً من هجاء البسطاء والكادحين ليل نهار بحثاً عن لقمة عيش العثور عليها بات في أغلب الدول العربية نوعاً من اللهاث اليومي. نحن هنا لا نود الوقوف في خندق الدفاع عن المواطن العربي الذي اختار الصمت أو حتى السلبية طريقاً للتعبير عن رأيه، لكن نحن في الوقت نفسه مطالبون بتغليب الأسباب التي أوصلت هذا العربي إلى المنزلق.. تلك الأسباب التي تحمل في جنباتها الدفاع عن سلبية ولا مبالاة السواد الأعظم من الناس وبعد أن تسلطت عليهم نظم القمع تارة، وباعتهم نخبة أفسدتها المطامع الأنانية لسلطان جائر. كثيرون في هذا البلد العربي أو ذاك ممن يحسبون أنفسهم على جيل التمرد والغضب، رأيناهم شبه عراة عند أول طريق إغواء للحصول على بعض المكاسب المادية الرخيصة فتحول المناضل الصنديد إلى بوق أجوف ينظّر لفقه الهزيمة! فماذا يفعل المواطن العربي وقد تشابكت عليه الخيوط من سلطة قمعية وإعلام زائف إلى نخبة مزيفة إلا من رحم ربي؟ المناخ المسمم الذي يغلّف الأجواء العربية لم يصنعه المواطن العربي الذي يجلده الآن بعض المثقفين، ممن لم يخرجوا يوماً من أبراجهم العاجية سوى للتقرب لأصحاب السلطان والأكل على كل الموائد ولا يحق لأحد أن يتهم العربي البسيط الذي أولى ظهره للجميع بالسلبية لأنها كانت ملاذه شبه الأخير للاعتراض على واقع يقودنا من مصيبة إلى كارثة في متوالية هندسة على ما يبدو لا نعرف متى تنتهي وجحافل المغول الجدد تدق أبواب بغداد. جميل أن نمتدح شعوب الأرض التي خرجت للدفاع عن مصالحها في وجه السيد الأميركي لكن القبيح أن نذبح اخواننا ممن اختاوا الصمت مرغمين ولاذوا بذواتهم غير مطمئنين ولسان حالهم يقول: توليتم أمورنا ـ قادة ومثقفين ـ فماذا جنينا منكم غير الكوارث؟! ورغم كل ذلك لا تزال هناك مصابيح تضيء، ورأينا مشاعل الأمل في الجنوب اللبناني وفي قلب فلسطين يحملها رجال هم منّا ونحن منهم يبرهنون أن الذات العربية لا تزال ولوداً وسط حقول القحط الرسمي التي يتحمل أصحابها ومن دار في فلكهم وحدهم مسئولية الصمت الشعبي في ساعة الصخب. رفقاً بالقوارير وليفكر كل منّا ألف مرة قبل أن يستل سكينه لذبح إخوانه ممن أجبرتهم دوامة الحياة وأصحاب الخوذات الفولاذية ومدعي الثقافة على التقوقع والإيحاء بتجاهل الواقع الذي لا مفر منه. وللمرة الأخيرة هذا ليس دفاعاً عن السلبية واللامبالاة الظاهرة ـ والله أعلم بالسرائر ـ التي يبدو عليها الشارع العربي، بينما الأمة تتجه نحو المعلوم من الكوارث إذا ما دارت رحى الحرب وسقطت حمم الصواريخ والراجمات الأميركية فوق المنازل العربية في العراق الذي سيتحول إلى «ميدان رماية لترويض وحوش ضارية» بتعبير الكاتب الأشهر محمد حسنين هيكل