السبت 21 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 22 فبراير 2003 منذ بداية الازمة العراقية انحصر اداء الشارع العربي في تحركات محدودة في اطار التضامن، واتسمت كل اشكال هذا التضامن الشعبي مع العراق بالضعف الشديد، ولم ترق الى الطموحات المنتظرة ـ نخبويا ـ من الشارع، فقد كان المأمول ان تكون التحركات الشعبية في مستوى هذا المنعطف الذي يمثل خطرا على الامة بكاملها. وبين المبالغة في انتظار رد الفعل العربي وواقع هذا الفعل بضعف حجمه وهزال تأثيره جاءت تحركات اهل الشارع في العالم كله لتصنع مظاهرات مليونية لتشكل صفعة قوية ليس فقط للسياسات الاميركية البريطانية ولكن لنا أيضا نحن العرب، فالمعركة هي معركتنا والخطر يقع علينا بالدرجة الاولى. ولكن هذا هو حال المجتمع العربي ومن ثم الشارع العربي، خاصة في الدول التي يشكل تعدادها السكاني اكثرية العرب، فالمجتمع العربي يعاني في عمومه من مظاهر سلبية متعددة تكاد تصل الى حد السمات المرضية، تلك المظاهر هي التي كبلت حركته ليس اليوم فقط، ولكن على امتداد ما يزيد على العقدين، وهو ما أعجز الشارع عن التحرك في مواقف مماثلة، حتى صار اسيرا لها على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومن ابرز هذه السمات: ـ تآكل الطبقة الوسطى، تلك الطبقة التي تعمل على تماسك وتصليب المجتمع ليس فقط في مواجهة التهديدات الخارجية وانما في اطار الحفاظ على هوية المجتمع واخلاقياته وعاداته وتراثه، وكان هذا نتيجة سياسات رسمية معتمدة ومتعمدة. ـ توسيع قاعدة الافقار لغالبية ابناء المجتمع في مقابل تكديس الثروة في ايدى قلة ترتبط مع السلطة في علاقات تقوم في جوهرها على الفساد السياسي والاقتصادي. ـ انتشار البطالة وتراجع فرص الترقي الاجتماعي بعيدا عن دائرة الفساد المالي والسياسي، ويختلف ذلك نسبيا من مجتمع لآخر، لكنه سمة مميزة في المجتمعات التي عاشت تحولات الاقتصاد والسياسة. ـ تراجع سلطة القانون واهدار احكام القضاء، ومحاصرة المجتمع بالقوانين الاستثنائية وفي مقدمتها احكام الطواريء وتغول دور اجهزة الامن في ظل هذه القوانين. ـ غياب الحريات العامة واستقواء السلطة على الجميع، نظرا لعدم تمتع هذه السلطة بالشرعية لا القانونية او الشعبية. وارتبط ذلك بالتضييق على مؤسسات المجتمع المدني فانهار دور النخبة السياسية ممثلة في الاحزاب والنقابات والجمعيات على صعيد العمل العام، وأحجم الافراد عن ممارسة حقهم في العمل العام. ـ تفشي العنف السياسي بين فترة واخرى كتعبير عن الاحتقان السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وكرد فعل على انسداد سبل التغيير السلمي، وقد نجحت السلطة في بعض الدول العربية في تحويل هذا العنف من عنف موجه اليها ليصبح بين الافراد بعضهم البعض بما يضمن للسلطة فرض سطوتها، وتشديد القبضة الامنية. ـ تزييف الوعي العام وتسطيح كل القضايا الجادة لحساب التهافت على التوافه من الامور. ـ انتشار الامية الابجدية على خلاف الاحصاءات الرسمية، خاصة مع ازدياد اعداد المتسربين من التعليم، ومع صعوبة الحصول على الحق في التعليم المجاني، وتفضيل الانخراط في سوق العمل طلبا للرزق، في ظل عدم وجود رغبة صادقة لدى السلطة للقضاء على مشكلة الامية. ـ الانشغال المطلق بالهموم الحياتية اليومية واعلاء الشأن الخاص على الشأن العام من جانب اهل الشارع في ظل سياسات الافقار وصعوبة الحصول على الاحتياجات الاساسية من السلع والخدمات. ويكاد الشارع العربي ان يتفرد بهذه السمات المرضية عن غيره من معظم شعوب الارض سواء ما تحرك منها متظاهرا ضد الحرب او مالم يتظاهر، فمثل هذه السمات المرضية كفيلة بتعجيز اي مجتمع، ولذا لم يكن غريبا ان تتركز المتظاهرات التضامنية في آسيا واوروبا، والولايات المتحدة، ثم تغيب عن افريقيا وليس عن العرب وحدهم، فالقارة الافريقية اشتركت ايضا في حفلة الصمت. وهذا التراخي او العجز الشعبي على المستوى العربي لا يعكس موقفا من العراق بقدر ما يعكس حالة مرضية. وتلك هي المفارقة، الشارع الغربي عبر عن موقفه بينما الشارع العربي لم يستطع او لم يتمكن، فالشارع في بلادنا ربما يمتلك ما يمتلكه نظراؤه في الغرب من الوعي بجسامة الموقف، لكنه يختلف عنه في انه (أي العربي) لا يمتلك القنوات ولا الآليات، بالاضافة الى معاناته من استقواء السلطة. الشارع العربي يدرك جيدا ـ رغم ازماته ـ خطورة ما يحاك ضد العراق، وكل عربي متعاطف مع اخوانه العراقيين لكن كل فرد عربي يقف وحده حائرا عاجزا مشلولا عن ترجمة هذا التعاطف الى موقف سياسي قادر على التأثير في الاحداث، وهو في ذلك يختلف عن نظرائه في الخارج، فالنظراء يمتلكون المقدرة على الحركة الفعالة والمؤثرة. الشارع الغربي لديه منظماته القادرة على الحشد والتعبئة ولديه مناخ سياسي يهييء له حق التظاهر، الحق محمي بالقوانين وهي قوانين طبيعية وليست قوانين طواريء بينما الشارع العربي لا يمتلك ايا من ذلك، فمؤسسات المجتمع المدني من احزاب ونقابات وجمعيات منعدمة او مغيبة، ونخبته السياسية بلا فاعلية ولا قدرة لها على التأثير، سواء في الشارع او في السلطة، فصار الشارع العربي عاريا، ومن ثم عاجزا امام هذه الازمة وما سبقها من ازمات، لكن التحرك الخارجي هو الذي فضح عجز الشارع العربي فضحا تاما وقاسيا. اما الحال بين الشارعين على صعيد العلاقة مع السلطة، فالامر لا يختلف سوءا فالشارع الغربي يختار سلطته عبر صناديق الانتخابات ويضمن ان تكون تلك السلطة معبرة عنه وتعكس تطلعاته وطموحاته، ولا يتوقع منها ـ بل لا يسمح لها ـ بأن تقمعه، فهو القادر على قمعها، ويمتلك هذا الشارع برلمانات تعبر عنه وتحكم باسمه. وهذه البرلمانات قادرة على محاسبة السلطة والاطاحة بها عند اللزوم. اما عندنا ـ نحن العرب ـ فالشارع مقموع عبر سلطة لم يخترها وانما فرضت عليه ولا يمتلك برلمانات حقيقية ولا قدرة له على تغيير السلطة او اختيار بديل لها. وتبعا لذلك كان «طبيعيا جدا» ألا يتحرك الشارع العربي فهو لا يعرف كيف يمكنه التحرك، لانعدام المؤسسات وعجز النخبة، ولاحكام الحصار حوله بقوى امنية شرسة تمكنت على مدى عقود من اعادة تأهيل الشارع وفق اهدافها التي تعبر عن اهداف السلطة، وليس ضروريا ان تكون هذه الاهداف معبرة عن مصالح المجتمع او قضاياه الوطنية، ولذا فليس غريبا ان يصف احد وزراء الداخلية العرب الداعين لمساندة العراق (النخبة) بأنهم: «منتهزو المواقف ومدعو البطولة الذين يوجهون المواقف لمصالحهم الشخصية ويتحركون لمصلحة جهات محددة غير عابئين بمصلحة دولتهم...» فهذا المسئول الامني يعتبر كل من يتضامن مع العراق انسانا خائنا لوطنه وهذه اللغة لا ينطق بها الا من امن كل احتمالات المساءلة او المحاسبة الشعبية والبرلمانية وربما القانونية ايضا. وهناك امر جوهري اخر في العلاقة بين الشارع والسلطة (في ظل غيبة النخبة) وهو ان السلطة لا تتذكر ان لديها شعوبا الا في حالة الاستقواء بها في مواجهة ضغوط خارجية، شرط ان تمس هذه الضغوط امتيازات السلطة، وهنا تتم تعبئة الناس وشحنهم ضد هذه الضغوط الخارجية، وعادة ما تكون تحركات الشارع مخططة مسبقا ومنضبطة وفق اهداف السلطة. وقد تلجأ السلطة احيانا الى احتواء غضب الشارع عبر التنفيس عنه في شكل مسيرات محدودة ومنضبطة داخل الاماكن المغلقة كالجامعات مثلا. وما عدا ذلك فلا سماح بأي تحركات جماهيرية. وعندما حاول بضعة مئات من اهل النخبة والشارع الخروج في مسيرات تضامنية مع الشعب العراقي في اكثر من قطر عربي قامت قوات الامن بالالاف على الفور بمحاصرتهم وتفريقهم بأقسى الوسائل لان هذه المسيرات تمت دون تخطيط من السلطة ومن ثم يصعب ضبطها رغم محدوديتها. ويؤشر هذا ايضا الى ان السلطة العربية في معظم الدول غير صادقة فيما تعلنه من تضامن مع العراق ورفضه للعدوان الاميركي، لانها لو كانت صادقة لسمحت بمثل تلك المسيرات المحدودة او بأشكال اخرى من أجل الضغط على الولايات المتحدة. وتبعا لذلك فان عجز الشارع العربي هو المحصلة لظروف قاهرة معادية لحركته، وذلك الى جانب القيود المفروضة عليه من جانب السلطة، في مقابل العجز التام الذي سقطت فيه النخبة، فارتد هذا السقوط بدوره على الشارع، لذا فليس غريبا ان يخرج الشارع الغربي متضامنا مع العراق ولا يخرج الشارع العربي، فالغريب هو ان تتهم النخبة الشارع بالسلبية بينما هي مشاركة في صنع هذه السلبية، ومسئولة عنها ايضا.