السبت 21 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 22 فبراير 2003 واندلعت الحرب. لم تكن حرباً بين الشرق والغرب، أو بين الإسلام وغير الإسلام على ما يهوَى أنصار صراع الحضارات قوله، ولم تكن بين مؤيدي الحرب على العراق وبين معارضيها، تلك التي أجّجت مجلس الأمن وحَلاَ للمحللين والمراقبين القول إنها شرخت مجلس الأمن بعد الناتو والاتحاد الأوروبي والعرب. كان مجلس الأمن ساحة أخرى للسجال الذي تتراشق فيه الدول الغربية الاتهام والكلام وتتسابق جرياً على عادة الوحوش في نيل قصب السبق والفوز بالغنيمة، لقد وصل الأمر بالولايات المتحدة التوسل باقتسام الغنيمة ومناطق النفوذ مقابل التأييد لخوض الحرب أو حتى بدئها. وربما بقي العالم يحلم بانفصال ما، بكتلة مواجهة للكتلة الأميركية المنفردة بشياهه، مطاردة شارداً هنا أو وارداً هناك، حتى نهض فرسان (الكسندر دوماس) من تحت الركام وأعادوا للسيف الأوروبي زهوته وقسموا العالم مرة أخرى الى اثنين، ولكن السؤال الأهم في كل هذا الكرنفال هو: هل ان الفرسان يتبارزون وفق مبادئ الفروسية القديمة أم وفق المصالح التي تحققت بعد أكثر من عقد على سقوط الأيديولوجيات القديمة؟ قد يكون الأوروبيون خشوا من اندحار دورهم وتحول إرادتهم السياسية وأمنهم إلى مرتهنين لدى رعاة البقر، وربما تململ ديغول وهتلر في قبريهما وهما يريان الولايات المتحدة التي أذلت باريس عندما حررتها من الألمان وهزمت برلين في حرب عالمية شرسة تصهل مرتجلة جوادها والغرب والشرقين ساحتها. المهم في الأمر أن العالم انقسم مرة أخرى، وهو عالم لا يطيق أن يبقى واحداً أبداً، اعتاد التقطيع والانقسام، وإن لم يجد من يقطعه نبش في قبور موتاه من العالم القديم والجديد وانقسم على نفسه، ليست فلسفة أو تورية أو استعارة مجازية أو غير مجازية، إنها حقيقة العالم الذي نعيش فيه، ولعل المرء يجد فرصة بين حرب وأخرى للتأمل في الثياب التي سيرتديها للحقبة المقبلة. أي شكل ترسم السياسات المتناحرة على قطعة اللحم العراقية، وأي السكاكين مرشحة، أي الصقور مهيأ للعرش المغولي العتيق، أسئلة ما زالت رغم بساطتها تؤرق غول العصر الأميركي، وتشتت اتجاهاته وخطواته، ما زال رعاة البقر يبحثون عن معنى في اللامعنى الذي ساقوه، عن أيديولوجية جديدة توازي رأسمالية تنهار وهيمنة تتداعى واستراتيجية بلغت حلقوم العالم وانغرزت فيه، ما زالوا يبحثون عن بديل مستنسخ لا ينفق مثل (دوللي)، وما زالوا يخورون خوار ثور أجهضته دجاجة أوروبية منمقة الرياش ناعمة الأظلاف. (2) لقد أخطأ جون آدامز وقد قال ذات شتاء: «عندما تبلغ أمة ما هذا المستوى من القوة فإنه من غير المستبعد أن تفقد حكمتها وعدالتها واتزانها لتصبح خطراً على البشرية فتفقد قوتها»، فنحن أمام أمة بلغت مديات القوة القصوى وفقدت على ما يبدو حكمتها واتزانها، ولا عزاء في العدالة فهي مفقودة منذ فقدت القارة الأطلنطية. وآدامز هو ثاني رئيس للولايات المتحدة تولى الرئاسة بين عامي 1797 و1801، وقد كان من الذين ركزوا في سياستهم وخطابهم السياسي على فضائل الأمم، وكونه ثاني الرؤساء الأميركيين يعني أنه قريب لعهد تأسيس الولايات المتحدة الأميركية، وهو ما يجعلنا ننكر وجود نسق للحكمة الحرة من أي تأثير وبالتالي نشكك في الفضائل التي دعا إليها. وعهد تأسيس الولايات المتحدة يبدأ بالتوقيع على دستور الاتحاد الذي وقعته ثلاث عشرة ولاية أميركية، والأمر ليس فيه غريب سوى أن هذا الدستور استند الى بيان الاستقلال الذي أعد في إطار المبادئ الماسونية التي تشكل (دساتير اندرسون للماسونية) وفق ما ذكره المؤرخون ومنهم (جو وست) في كتابه عن تاريخ الشرق الأعظم و(عزت نوري غان بالسن) المؤرخ التركي، والدكتور (حسين عمر حماده) في مؤلفه عن الماسونية، ومن هنا جاء التشكيك بنقاء الهدف والسريرة، فدستور يقوم على نص عنصري لا يمكن أن يحقق عدالة أو اتزاناً أو أن يثمر حكمة. ما دفعني للغوص عميقاً في جذور الدول والحضارات الغربية هو ما قاله رامسفيلد عندما اتهم ثنائي (فرنسا ـ ألمانيا) بأنهما رعاة العالم القديم، وما قاله باول وزير الخارجية الأميركية في مجلس الأمن من أن بلاده أقدم الديمقراطيات في مجلس الأمن، ولعل كان من الأجدى أن يذهب المثل الذي ضربه السفير العراقي الدكتور محمد الدوري «فاقد الشيء لا يعطيه» إلى الولايات المتحدة التي تتشدق بديمقراطية وحرية لا تملكها وتسوق لنشرها في عالم ما زال يرفض منطق الكاوبوي. العالم القديم أو أوربا القديمة التي استهزأ بها العجوز الأميركي رامسفيلد، هي دول قامت على حضارات وثقافات مؤسسة، نهضت من تحت الامبراطوريات التي حكمت الغرب والشرق معاً، فمن الإغريق إلى الرومان، إلى الجرمان فالساكسون... الخ. كانت هذه الدول تضع القوانين وتبني الحضارات والفكر والفلسفة، ولهذا نجد أنه كلما خبا ضوء سطوعها، لمعت من جديد، ولذا أيضاً لم يستغرب أحد عندما انبرت فرنسا وألمانيا للدفاع عن القيم العالمية للسلام ولو ظاهرياً. وربما يجدر القول إن الصراع الذي احتدم مؤخراً في أروقة الغرب وعصف بتحالفه، ليس صراعاً حول عدالة الحرب، إنما هو صراع حضارة غريبة عريقة مع ثقافة الهمبرغر الهشة التي استنكر الأوروبيون فكرة أن تكون هذه الـ (أميركا) قادرة على الانتاج الفكري وفق وليام جيمس في (مبادئ السيكولوجيا). هو إذن صراع منطقي استعماري يحاول جاهداً أن يبقى مهذباً ومهندماً ومنطق استعماري آخر يصر على أن يكون فجاً، وهو إلى ذلك صراع من أجل ترتيب الأدوار وإعادة رسم العالم الذي خرج من حربه الباردة إلى حربه الأشد سخونة، وربما انشغل الغربيون بتقسيم الأدوار وتحصيل المكاسب من الحرب عن قيادة هذه الحرب، وربما نشبت الحرب بين أروقة الأمم الغربية ومجلس الأمن، الأمر الأكيد هو أننا سنجلس كـ (أمة) على ركام الصراع الغربي وننتظر أي الناجين سيتولى إدارة عروشنا، وقد لا ننتظر أبداً فقدرنا أن نكون وقوداً لكل الحروب. lahib@albayan.co.ae