السبت 21 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 22 فبراير 2003 لا نريد للدعوة الاميركية المشبوهة بإدخال إصلاحات سياسية في العالم العربي أن تعطل خطى المنادين بالإصلاح منذ سنوات طويلة على أرضية وطنية. فهناك مجموعات من قادة الرأي والمفكرين والكتاب والسياسيين السابقين نادوا طويلا بذلك، وبحت أصواتهم غير يائسين ولا قانطين، ظل لديهم أمل بأن تستمع السلطات (التي كانت وقتها غارقة في سوق المتعة الأميركية) الي أصواتهم الواهنة. أغلب هذه المجموعات معادية منذ سنوات طويلة للوجود الأميركي، وتراه خطيئة وخطرا، وهي كذلك مطالبة بإنهاء الإرتهان الذي نتعامل معه الآن وكأنه ابن 11 سبتمبر، مع أنه كامن هنا منذ انحرف السادات بخطى الأمة فمزقها وفرق شملها وأوجد ثغرات واسعة يدخل منها المعادون لكل تحضر أو تقدم في هذا الوطن. لاينبغي اذن أن نكيل التهم لكل مناد بالاصلاح، ونظن أنه يجر المياه لطواحين أميركا، فالدعوات الخالصة تبعد المياه عن هذه الطواحين التي طالما استنزفت قدراتنا وطاقاتنا، أموالنا وقرارنا السياسي، وتعاملت معنا على الدوام باعتبارنا عبيدا في عزبتها الخاصة تنهب ثروتهم وتجرب فيها اسلحتهم، وتبدأ بهم ان أرادت رسم خرائط جديدة للعالم. جوهر اي دعوة اصلاح يكمن في الحرية، يكمن في مشاركة أبناء هذا الوطن الواسع في السلطة واقتسامهم العادل للثروة، يكمن في تحويل المواطنين الى أناس لهم حق المواطنة، حق الغضب والرفض، حق تزكية حاكم أو سحب الثقة منه، حق صياغة تصور للمستقبل يشارك فيه الجميع لا تنفرد به السلطة، حقهم في أن يري الحاكم نفسه خادما لمصالح الأوطان وليست الأوطان هي المكرسة لخدمة مصالحه الخاصة. واصلاحات من هذا النوع لايمكن بأي حال أن تناسب الأهواء ولا المصالح الأميركية، فالأميركان يعرفون جيدا أن أي انتخابات حرة نزيهة في اي قطر عربي لن تأتي بنظام يماليء الادارة الاميركية أو يخشاها، ولانظام يصالح حليفتها اسرائيل، لذلك الاصلاح بنظرها لا يعدو كونه قشورا لاينبغي أن تمس جوهر التبعية. الاصلاح في منظور ما تبقى من النخب العربية يعني أوطانا متماسكة، تنطلق طاقاتها، ويمكن للمرء فيها أن يعيش عيشة كريمة مهما كان رأيه المعلن في نظام الحكم، تستفيد بثرواتها وتوظف طاقاتها لراحة الأجيال القادمة، مجتمعات قوية تستطيع الدفاع عن حقوقها وسيادتها وتحقيق أحلامها. أميركا تريد أن يحكم كل بلد عربي دكتاتور متبسم يقهر شعبه، طالما كان يراعي مصالحها، يطالب الناس بالابتعاد عن المساجد والكنائس، ويقضي وقته في صالات القمار، تريد أميركا أن تتحول النسوة العربيات الي كائنات مبتذلة، كاسية عارية تبوح بلذاتها، وتستحي أن تبوح بسموها، تريد أميركا كائنات ممسوخة لاتعرف تاريخها ولا تدافع عن حقوقها. ما أوسع الشقاق بين مطالب اصلاح تنادي بها النخبة العربية الواعية ومطالب كولن باول، فالمجتمع المأمول في كل حالة يمثل صورة معكوسة للحالة الأخري. هناك حاجة الى إصلاح جذري للأوضاع العربية، وليس إصلاحا لقشور لا تلبث أن تزول مع الزمن، نرتد بعدها الي احباطاتنا وآلامنا وأحزاننا وإدماننا البكاء على الأطلال. نحن في زمن لامكان فيه للباكين، ولا لأولئك الذين يمضغون ذكريات جوفاء عن نهضة كانت، وحضارة بادت، وعز غادرنا وغادرناه منذ ألف عام أو يزيد. لابكاء بعد اليوم، فلا مكان إلا للأقوياء مفتولي العضلات اقتصاديا، والمتقدمين تكنولوجيا، لامكان الآن لمن يلهثون للحاق بركب الحضارة، فاللهاث أصبح مطلوبا بسرعة الضوء، ولا تجدي فيه عجلات البيروقراطية، ولا خيول القبلية. لامكان في هذا العالم إلا لمن يشاركون في صنع الحضارة وصياغة المستقبل، انشغالنا بالماضي ضيعنا، واستهلاكنا في نعرات اقليمية جعل خطواتنا متنافرة متضاربة، نسير خطوة للأمام وعشر للخلف. في حاجة نحن الي اطلاق الطاقات وتوظيف القدرات، وشحذ الهمم، وإبراء الذمم من الماضي الذي طحنتنا فيه الحروب الصغيرة والأطماع التافهة. نريد أن نبني وطنا واحدا على حسابات عقلية مجردة تؤمن بأن في التوحد قوة، وأن في الشتات ضعفا، وليس علي حسابات عاطفية نختارها بملء ارادتنا اليوم ثم ننقض عليها بملء ارادتنا غدا دون ان نسأل أنفسنا لماذا فعلنا مافعلنا في الحالتين. نحن أمة في خطر، خطر انقراض حقيقي وليس متوهما لنترك السياسيين ونخب الحكم يفعلون ماشاؤوا اليوم فنجاحنا أو فشلنا يتوقف على مدى سماحنا أو رفضنا لأن يصعد أمثالهم على أكتافنا غدا. الشارع العربي - حين نفكر مليا - معذور في ألا يخرج وألا يحتج. على من يحتج، إذا كانت كل حياته بائسة وكل نخبه الحاكمة أو معظمها فاسدة ومتكلسة، في حجر من ستسقط ثمرة احتجاجه وغضبه إن لم تكن سلال الشعب جاهزة حتي يحصد ثمار مايفعل. لقد حاربت الشعوب معارك كثيرة لحساب غيرها، معارك لحساب أيديولوجيات، وأطماع نظم حاكمة في أن تبقى وتسيطر جالبة التخلف لجموع هادرة وضاربة بقضايا الجماهير وهمومها الحقيقية عرض الحائط نظم خانت أماناتها وضيعت رعيتها وعممت حالة انكسار تشهدها في عيون الناس في الشارع والحقل والمصنع ودوائر العمل. هذه صرخة من الأعماق في ظروف عربية تبعث على اليأس بأكثر مما تفجر ينابيع أمل ظروف يعجز فيها قادة الأمة وحكامها عن الجلوس على طاولة واحدة لإتقاء خطر يحدق بالجميع، وإن جلسوا بحثوا عن مخارج لورطة أوقع الأجنبي نفسه فيها وليس عن مخارج لورطتنا نحن المذبوحين حتى العظم. هل العالم العربي بحاجة الى ثورة... قراءة الواقع تقول إنه في حاجة الى ألف ثورة وألف مصلح اجتماعي علهم يزيلون عن الوجه العربي الصامد غبار عشرة قرون أو يزيد. فهل يوجد أحياء هنا؟ magdishendi@hotmail.com