السبت 21 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 22 فبراير 2003 عندما يتهم الفاتيكان الذي يتحدث باسم عشرات الملايين من المسيحيين الكاثوليك في العالم رئيس الولايات المتحدة الاميركية ـ وهو ايضا مسيحي ـ بأنه يتخذ موقفاً صليبياً فإن على الحركة الاسلامية العالمية ان تتوقف لتتفحص المغزى الحقيقي من وراء هذا الاتهام الخطير. جاء الاتهام على لسان مدير اذاعة الفاتيكان الاب باسكوا في سياق تعليق اذاعي ذي مضمون سياسي صرف وليس موعظة دينية. وكانت القضية المطروحة في الحديث هي المسألة العراقية من منظور التحرك الدبلوماسي النشط الذي يقوم به الفاتيكان سواء بواسطة البابا او ممثليه المعتمدين. وهو تحرك لا يمكن إلا ان يوصف بأنه نبيل من حيث انه يستهدف تجنيب الشعب العراقي والعالم حرباً شاملة تعد لها الادارة الاميركية. لذا كان ذلك الحديث البابوي الاذاعي في اجماله انتقاداً حاداً وصريحاً لواشنطن، فقد اتهم الأب باسكوا الادارة الاميركية بالغطرسة آخذاً عليها تجاهل شركائها في ادارة الازمة مع العراق. وقال: «في الوقت الذي يدعو الفاتيكان الى التعقل ويشجع العمل الدبلوماسي ويدافع عن الحق الدولي نرى في الجانب الآخر قوة عظمى تقودها ادارة خولت لنفسها مهمة انقاذية واتخذت لهجة ومواقف صليبية». وربما يسأل سائل: اما كان الاحرى بالفاتيكان المرجعية الاولى للمسيحية العالمية الاشادة برئيس دولة مسيحي يعد العدة لحرب «صليبية» ضد دولة اسلامية عوضا عن انتقاده بمرارة؟ هذا سؤال نظري. لكن الواقع يفيدنا ان آخر ما يمكن ان يفكر فيه الفاتيكان هو ان تتخذ الحرب الاميركية المزمعة ضد العراق طابعاً دينياً يضع المسيحية في مواجهة الاسلام، على العكس من ذلك فإن التحركات الدبلوماسية للفاتيكان تؤكد ان ما يرمي اليه البابا هو الحيلولة دون وقوع فتنة دينية عالمية، ومن هنا يبدو ان الفاتيكان استشعر قلقاً عندما جنح الرئيس بوش مؤخراً الى «تطعيم» خطاباته وتصريحاته بعبارات دينية توحي للاميركيين وكأنه ـ في استهدافه للعراق ـ مكلف بمهمة «الهية». تأسيسا على هذا الموقف فإن على الحركة الاسلامية العالمية ان تتجاوب مع الفاتيكان من اجل وضع قضية الحرب الاميركية المحتملة ضد العراق في اطارها الصحيح كاستهداف قوة عظمى لدولة صغيرة لاغراض اقتصادية وجيو ـ سياسية لا علاقة لها بالاختلاف الديني بين عقيدة وأخرى. ولينظر قادة المنظمات الاسلامية سواء في العالم الاسلامي او في الغرب في المظاهرات التي خرجت في الولايات المتحدة وأوروبا تندد بالحرب وتتعاطف مع العراق، فقد كان من ابرز الهيئات والتنظيمات التي شاركت في هذه المظاهرات بفاعلية المؤسسات الكنسية في الغرب بشقيها الكاثوليكي والبروتستانتي، ومنذ ان بدا شبح الحرب الاميركية بالأفق القريب رأينا كبير اساقفة كانتر بيري ـ أي رئيس الكنيسة البروتستانتية في بريطانيا ـ ينبري للادارة الاميركية واصفاً الحرب المزمعة بأنها «غير اخلاقية». لقد بات معلوما لدى العالم ان الهدف الاستراتيجي الرئيسي للولايات المتحدة من وراء سيناريو الحرب الموضوع تمهيد الطريق لشركات النفط الاميركية للاستيلاء على صناعة النفط العراقية واتخاذها اداة للتحكم في تجارة النفط العالمية وامداداته، وما كان لهذا الهدف ان يتغير لو كان العراق دولة مسيحية. ومن الواضح اذن ان لجوء الرئيس بوش الى بث عبارات دينية الطابع في بعض خطاباته وتصريحاته ليس القصد منه سوى حيلة دعائية زائغة لحشد مشاعر جماهير الشعب الاميركي بأسلوب رخيص. ان ما يريد ان يقوله الفاتيكان هو ان الرئيس الاميركي يتصرف بغض النظر عن مسيحيته كسياسي يعتمد اجندة المصالح القومية لتحقيق غاية عن طريق القوة العسكرية العارية. وهذه هي الحقيقة التي ينبغي ان يتنبه اليها قادة العالم الاسلامي، خاصة على الصعيد الشعبي واذا نظرنا في مظاهرات العواصم والمدن الغربية مرة اخرى فاننا سوف نكتشف ايضا انه جنباً الى جنب مع المنظمات اليسارية العلمانية الغربية شارك في المظاهرات ممثلو وجماهير الاقليات المسلمة في الولايات المتحدة واوروبا واستراليا. وفي هذا السياق يقول مدير اذاعة الفاتيكان الأب باسكوا «ان الرأي العام العالمي اعطى في الايام الاخيرة دليلاً حقيقياً على وجوده واهميته.. ويجب ان تأخذه ادارة دولة عظمى بجدية..». لقد قال: «الرأي العام العالمي».. ولم يقل «الرأي العام المسيحي».. وهذا هو المغزى في كلمة واحدة.