السبت 21 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 22 فبراير 2003 في رسم كاريكاتوري شديد الذكاء، تخيل فنان عربي الرئيس الأميركي بوش الابن وهو يصرخ في وجه جندي من كوريا الشمالية يحمل على ظهره بضعة صواريخ نووية «فضحتنا»!. ويقينا تنطوي المقاربة الأميركية الهادئة لتحدي بيونج يانج ومجاهرتها بالسعي لتشغيل برامجها للتسليح غير التقليدي، مقارنة بالسياسة الأميركية المسعورة تجاه العراق، فضيحة بكل المعايير.. غير أن النظام العربي بصعيديه القطري والاقليمي والقومي لم يتمكن من استغلال هذه الفضيحة كما ينبغي. جاء التصرف الكوري تجاه قضية انتشار أسلحة الدمار الشامل في توقيت عربي بالغ الحساسية، بحيث بدا وكأن بيونج يانج تلقي للعرب بحبل نجاة.. فبسبب القواسم المشتركة الكثيرة بين الأزمتين العراقية والكورية، كان (وربما مازال) من الممكن والمتاح تحويل التعامل الأميركي المزدوج والمتغاير بقوة مع كل من بغداد وبيونج يانج الى تيمة أساسية في رد الفعل العربي إزاء واشنطن. فضح المعايير بين ما يلفت النظر في هذا الاطار أن الأقدار ساقت السياسة الأميركية الى وضع فضائحي مشين، بحيث يمكن مؤاخذتها بجرم الكيل بأكثر من ميزان، وذلك في عهدي بوش الاب والابن. ففي عهد الأب وجهت واشنطن بمن يرميها بالنفاق لاختلاف تعاطيها مع الاحتلالين الاسرائيلي للأراضي العربية والفلسطينية والعراقي للكويت، ولكن بوش الكبير وأركان ادارته ومن والاها دوليا، لجأوا الى مزاعم وجدت من يتبعها ويروج لها على سماجتها وسطحيتها.. وجوهرها أن الحالتين مختلفتن، ومع ذلك فإن واشنطن عقدت عزمها على معالجة الاحتلال الاسرائيلي في مرحلة تالية.. ويعرف كل من له سمع وبصر أي مسار ومصير انتهى اليهما هذا الوعد. والمفترض راهنا أن ورطة بوش الابن، في صعوبة التوفيق بين الاستنفار الحاد ضد بغداد والمرونة الكاملة مع بيونج يانج، لا تقل وطأة عن تلك التي خبرها الأبن. ذلك أن المسئولين الكوريين الشماليين لم يدعوا وسيلة لتعرية الخطاب الأميركي بشأن القضية العراقية وبيان زيفه وتنطعه إلا اتوها. فهم اعترفوا باتجاههم الحثيث لامتلاك القدرات النووية، وشغلوا مفاعلاتهم أمام أعين الملأ، وطردوا مراقبي وكالة الطاقة الذرية.. ثم إنهم ذهبوا الى أبعد من ذلك حين هددوا بلا مواربة بتعريض الأراضي الأميركية (الأمن الأميركي!) لصواريخهم إذا ما مضت واشنطن الى محاولة عزل دولتهم أو محاصرتها.. ومع هذا، فإن الادارة الأميركية تؤثر الظهور بهيئة الوقار الدبلوماسي وضبط النفس وتوعز لكل من له كلمة مسموعة لدى بيونج يانج بالتدخل من أجل التهدئة. وهي تستخدم عبارات ومصطلحات كدنا أن ننساها في غمرة الأستقواء على بغداد، كالتسوية الدبلوماسية وضرورة عدم التصعيد وبذل المساعي الحميدة.. ولا ينبغي أن ينخدع البعض بالتحركات العسكرية الأميركية في المحيط الهادي وطلب التعزيزات بغرض ما يدعى «بردع أي مغامرة من جانب كوريا الشمالية..».. إذ أن هذه الاجراءات ومثلها لا ترقى الى مرتبة الفعل العسكري الحاشد المصحوب بخطاب تعبوي يوشك أن يضغط الزناد ضد العراق. فضلا عن أن الدبلوماسية السرية ودفع الوسطاء يعملان على قدم وساق بهدف إثناء كوريا الشمالية عن الغلو في اراقة ماء وجه السياسة الأميركية عبر «فضح» معاييرها المزدوجة. إدارة الأزمة أغلب الظن أن بيونج يانج لم تقصد بسلوكها هذا نصرة العراق، شريكها في «محور الشر» على نحو عمدي. بيد أن تزامن اعلان غضبتها على معايير واشنطن وتمردها على التحرش الأميركي بالقوى «الخارجة عن الطاعة» مع تركيز ادارة بوش الابن على الملف العراقي، يبدو أمرا مثيرا للانتباه. وبقليل من المبالغة قد يتصور المرء أن المسئولين الكوريين اختاروا التصعيد وهم يدركون المأزق الذي يمكنهم أن يوقعوا فيه هذه الادارة. ويتجلى فهم واشنطن لهذا التكتيك الواعي من تصريح وزير الدفاع الأميركي الذي حاول من خلاله التذكير بأن قواته «تستطيع العمل على جبهتين في وقت واحد».. ولكن هذه المحاولة لا تعني فشل كوريا في تحصيل بعض المكاسب من وراء مبادرتها في هذا التوقيت. فهناك توجه أميركي جاد لتهدئة الغضب الكوري عبر عرض كمية كبيرة من الجزر، بالمساعدات الاقتصادية والمالية والاسراع بالوفاء بالتزامات سابقة في هذا السياق. ويلقي هذا التوجه تعزيزا واستحسانا من شركاء أغنياء للولايات المتحدة، كاليابان وكوريا الجنوبية والاتحاد الأوروبي.. بل ولا يرى بعض هؤلاء بأسا في طمأنة النظام الكوري الشمالي على مصيره والتعهد بعدم التعرض له أو العمل على إسقاطه.. مؤدى ذلك كله - اذا صح التحليل - أن بيونج يانج توشك أن تبلغ بعض مرادها عبر دخولها على خط الأزمة العراقية، في توقيت أحسنت إختياره وبيئة إقليمية ودولية أجادت قراءة مفرداتها.. وكان حريا بالعرب أن يفعلوا شيئا من ذلك كما هو حال أي طرف يعرف كيف تدار الأزمات الدولية، فما بالنا إن كان هذا الطرف «منغمساً» حتى النخاع في نوعية الأزمة ذاتها التي تتفاعل ما بين واشنطن وبيونج يانج! بصيغة أخرى، لم تظهر الدبلوماسية العربية ما يشير الى ممارسة ضغوط قوية على العصب الأميركي الذي تعرى بفعل الأزمة التي أثارتها كوريا الشمالية وادارتها بحنكة واضحة. والمدهش أن هذه الضغوط مورست من قبل أطراف دولية أخرى.. ففي كلمة له أمام البوندستاج (13 فبراير) سخر المستشار الألماني جيردهارد شرودر من الولايات المتحدة التي «تقترح حوارا لنزع فتيل الأزمة النووية مع كوريا الشمالية في الوقت الذي تصر فيه على ضرب العراق الذي لا يمتلك أسلحة نووية أو حتى صواريخ بعيدة المدى.. علما بأن كوريا تخضع لديكتاتور يماثل صدام حسين، وهي اعترفت بامتلاكها برنامجا نوويا وطردت المفتشين الدوليين..». تدويل هذا الخطاب الألماني أو عولمته هو بعض ما تحتاجه الدبلوماسية العربية لأجل إحراج السياسة الأميركية تجاه العراق وبيان مدى استحماقها والتشهير بها عالميا.. ولاريب أن التعجيل بمتابعة هذا الهدف سوف يمثل تعديلا إيجابيا في نمط ادارة الأزمة العراقية.. اللهم إلا إن كان لهذه الدبلوماسية رأي آخر غير الذي يطرحه المستشار شرودر! ـ كاتب فلسطيني - القاهرة