الجمعة 20 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 21 فبراير 2003 في «خمس سنوات من زجاج» يتحدث الامين العام السابق للامم المتحدة بطرس غالي، عن اميركا التي قررت ان تحاربه وحاربته رغم انف ـ بل انوف ـ كل دول العالم العظام، وقررت وحدها ان تنهي وجوده في البيت الزجاجي هذا وأنهته. يتحدث بطرس في فصول عديدة من كتابه الأخير، كيف بدأت اميركا حربها ضده دون ان يعرف سبباً مباشراً لهذه الحرب، وخرج وهو يحاول ان يعرف ولم يعرف، حتى في عشائه الاخير مع صديقته وعدوّته اولبرايت وهو خارج بيت الامم، حاول منها ان يعرف لماذا حاربته اميركا، فلم تعطه جواباً شافياً يبدد حيرته، وهو ذلك الامين المطيع الذي خدم مصالح دولتها واهدافها كواحد من اخلص جنودها، كما وصفته الصحف الاميركية وقتها. كيف حاربته اميركا؟ الوصف والسيناريوهات التي يذكرها بطرس في كتابه «خمس سنوات من زجاج» تتكرر في كل الازمات التي تصطنعها في كل الازمنة والامكنة، ومع كل القضايا التي تحاول ان تنتصر فيها، انها سياسة المزج بين المتناقضات، بين الاغراء والترهيب، بين الحشد والتأييد وفرض طوق العزلة والخوف حول العدو، تبين بما تملك من سلطان انها هي الاعظم والاقوى وان عدوها او اعداءها هم الاضعف وانها تملك هزيمتهم حتى قبل ان تبدأ الحرب. وتطبق مبدأ الميكافيلية مهما كانت الغاية عظيمة او صغيرة الشأن لا تستحق قوة عظمى يفترض انها القائد والمهيمن الاوحد على هذا العالم. وفي ازمتها او الازمات التي تصطنعها هذه الدولة لا تتحرك كدوائر او قطاعات في مجال او حدود الازمة واختصاصها، انما كدولة جبارة بكل ما تملك من قوة وسلطان وعتاد وأجهزة. يصف الامين العام السابق كيف بدأت حرب اميركا معه، مجرد اشارات من بعيد: انصرف ولا تفكر في ولاية ثانية، وبدأت هذه الاشارات تكبر وتتزايد، وقبل ان تبدأ سلطات الدولة المتخصصة التي هي الخارجية دورها معه، كان الاعلام هو السلاح الاول الذي اطلقته عليه، بدأت اوسع الصحف واكثرها انتشاراً وكبار الكتاب الاميركيين حملات التذمر والهجوم على الامين العام. وعندما تجاهل هذه الاشارات الواضحة والمتفق عليها عرفاً، تدخلت الخارجية ومارست في البداية دور الناصح والمحذر في آن: اخرج قبل ان نحرجك ونخرجك بالقوة. ولأنه عاند ولم يستجب، جرّبت معه وصفة الاغراء والرشوة، ضحكت عليه وقالت له: اخرج وسنخلق لك منصباً هو الامين العام الفخري، او سنضمن لك مركزاً مرموقاً ليكن في اليونسكو او اية منظمة اخرى تريدها. وعندما رفض ايضاً، كان لابد ان تبدأ حربها العظمى عليه، في كل انحاء العالم، حتى في مؤتمرات افريقيا الفقيرة، كان هناك حضور قوي لها، مجموعة من الدبلوماسيين الصغار والكبار جاؤوا من اجل هدف وحيد هو مطاردة بطرس، واحباط جهوده في محاولات التجديد له، واستخدموا في ذلك شتى الاساليب بما فيها شراء اصوات وذمم الدول الصغيرة. ورغم ذلك حققت جولاته نجاحاً وانتصاراً عليها، كما يصف في كتابه، وذلك في عالمه الافريقي الذي جاء مرشحاً مدعوماً منه اول مرة، ووقفت معه فرنسا بثقة وقوة «الفيتو» الذي تملكه، وايضاً ضمن تأييد الصين وروسيا وبقية دول العالم، واستطاع ان يحصل في الاقتراع المبدئي بمجلس الامن على اربعة عشر صوتاً من مجموع خمسة عشر صوتاً، وبقي الصوت الوحيد الرافض هو صوت اميركا العظمى. لكن هذا الصوت الأوحد غلب الاصوات كلها، في النهاية، بعد ان فرقها وأضعفها وأقنعها انها لن تستطيع ولو اجتمعت على ان تقف ضد قرار ورغبة الحاكم الاميركي. انتصرت أميركا، وخرج بطرس غالي من البيت الزجاجي خروجاً دون رجعة. معركة شاركت فيها كل الولايات المتحدة من اصغر موظف تابع لها في الامم المتحدة الى رأس السلطة: اولبرايت وكريستوفر وكلينتون الرئيس انذاك، وسلطان الاعلام الاميركي «الحر والنزيه». هكذا هي اميركا دائماً، ولكن الأحداث والازمنة لا تكون كذلك دائماً. نجحت وانتصرت في قضية صغيرة لكنها فشلت وهزمت في قضايا اخرى عظيمة. واليوم قد تكون نجحت او ساهمت في اثارة الفتن وتقسيم العالم، وقد تنجح في غزو العالم واعادة استعماره وتقسيمه ونهب خيراته، وتملك ان تحرقه ايضاً وان تكون الحاكم الاوحد له، لكنها فشلت في ان تكسب الشعوب التي غازلتها ازمنة طويلة باسم الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان. ما عاد كره اميركا في قلوب بعض العرب فقط، اصبح في معظمهم ان لم يكن جميعهم، وما عاد في هذه الامة وحدها، انما سرى وتوسع وانتشر في كل انحاء الدنيا، وتفاقم وكبر كثيراً. ما بين امس: ثلاثاء 11 سبتمبر وقلوب سكان العالم بأجمعه الذين تعاطفوا حتى الى درجة التحول الى الحب عند الذين كرهوها وحقدوا عليها الزمن الماضي. وبين حال اليوم وما فعلته في العالم. فارق شاسع من رصيد ومكانة هذه الامبراطورية التي كانت حاكم العالم فأضافت لنفسها لقب حاكمه الشرير