الجمعة 20 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 21 فبراير 2003 هل يشهد العالم بوادر مد يساري عارم يتنامى في الغرب؟ هذا هو السؤال الاكبر الذي تجري حوله الآن مناقشات لا تنتهي في الدوائر الاكاديمية في الولايات المتحدة وغرب اوروبا على خلفية الصعود المذهل للمنظمات الغربية المناهضة لظاهرة العولمة الرأسمالية، ذلك الصعود الذي تجسد مؤخراً في خروج عشرة ملايين متظاهر في انحاء العالم المتفرقة خلال نفس اليوم. ولم يكن الهدف الأساسي من هذا الطوفان الجماهيري العارم «نصرة» العراق كما كان يبدو بقدر ما كان في الحقيقة «التنديد» بجموح الرأسمالية العالمية بزعامة الولايات المتحدة. ومن الطبيعي ان تكون هذه الحركة المعادية للرأسمالية العالمية يسارية الطابع.. ولكن أليس من المثير انها تستلهم الفكر الماركسي بعد انهيار اكبر قلعة للتطبيق الماركسي في التاريخ البشري، اي المعسكر الاشتراكي السوفييتي؟ لقد برزت المنظمات المناهضة للعولمة خلال النصف الثاني لعقد التسعينيات. والى ان وقعت «احداث سبتمبر» في الولايات المتحدة وما افرزت من سفور للوجه العسكري العدواني للرأسمالية الاميركية مما تجسد جزئياً في خطة غزو العراق كان نشاط هذه المنظمات محصوراً داخل الغرب رغم تبنيها قضايا ذات طابع عالمي فقد اقتصر هذا النشاط على تسيير مواكب احتجاجية كلما انعقد اجتماع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية باعتبارها ابرز رموز النظام الرأسمالي العالمي كأدوات مالية وتجارية تستغلها الولايات المتحدة لتوسيع وتقوية استعمارها الاقتصادي للعالم. سفور الوجه الحربي للرأسمالية الاميركية اكثر من اي وقت مضى هو الذي دفع قيادات منظمات مناهضة العولمة الى ابراز اجندتها العالمية، وهي اجندة مبنية كما يبدو على نظريات وافكار فيلسوف الاشتراكية الاشهر كارل ماركس. والغريب حقاً ان انهيار المعسكر الاشتراكي السوفييتي هو الذي هيأ لاعادة احياء الفكر الماركسي في الغرب فقد تبخرت الحرب الباردة.. ومعها تبخر الزخم الدعائي الغربي الموجه ضد الشيوعية العالمية والمعسكر الاشتراكي. هدوء العاصفة هذا هو الذي هيأ للأجيال الصاعدة من الاكاديميين الغربيين لاعادة قراءة ماركس وبالتالي اعادة اكتشاف فكره. ويمكن ان ننظر في الصورة الحالية من الزاوية المعاكسة، فانفراد النظام الرأسمالي بالعالم في اطار ما اطلق عليه «النظام العالمي الجديد» ادى الى تركيز الاضواء الغربية على هذا النظام في غياب النظام الاشتراكي البائد. ونستطيع القول اذن ان زوال الاتحاد السوفييتي وما كان يرافق بقاءه من حملات هستيرية غربية للدعاية ضد الشيوعية العالمية هو الذي افرز بيئة جديدة في دوائر الغرب الاكاديمية للتعامل مع الماركسية موضوعياً. ان العديد من الشخصيات الاكاديمية في الغرب يقولون الآن ان ماركس كان محقاً في الكثير من ملاحظاته الفلسفية بشأن معايب النظام الرأسمالي حتى ان بعضا منهم يذهبون الى حد القول إن كارل ماركس تنبأ في القرن التاسع عشر بظاهرة العولمة الراهنة. في عام 1999 نظم تلفزيون «بي.بي.سي» سلسلة من الاستطلاعات يطرح فيها على المشاركين سؤالاً لتسمية اعظم الشخصيات التي عاشت خلال الألفية الثانية، وفي اكتوبر من ذلك العام، اي قبل بضعة اسابيع فقط من حلول الذكرى العاشرة لهدم «حائط برلين» اعلنت «بي.بي.سي» اسم الشخصية الاولى الفائزة في الاستطلاعات: لقد كانت كارل ماركس! ليس ذلك فحسب.. بل ان من بين الشخصيات التي تفوق عليها ماركس في هذه الاستطلاعات عمالقة من امثال انشتاين ونيوتن ودارون، وعلقت «بي.بي.سي» على هذه النتيجة المثيرة بالقول انه «بالرغم من ان افكار ماركس شوهت بواسطة الدعاية السياسية خلال القرن العشرين الا ان اعماله كفيلسوف وعالم اجتماع ومؤرخ وثوري تحظى باحترام الاكاديميين الغربيين اليوم». وتورد مجلة «ايكونومست» اللندنية الموجهة الى مجتمع رجال الاعمال الغربيين المزيد في هذا الصدد فتخبرنا ان مؤلفات ماركس ظلت تحظى في السنوات الاخيرة برواج ملحوظ بين طلاب الجامعات والاساتذة في الغرب. في الوقت نفسه يتوالى ظهور اصدارات جديدة عن فكر ماركس بأقلام اكاديميين معاصرين، من ذلك مثلاً كتاب د. جوناثان وولف الاستاذ بجامعة اوكسفورد بعنوان «لماذا ينبغي اعادة قراءة ماركس اليوم». يبدو حقاً اننا نستشرف الآن مدا عالمياً جديداً ذا طابع يساري ينبع من الغرب، ولا شك ان تداعياته العالمية سوف تتوسع دوائرها خلال السنوات المقبلة. ولن يكون العالم العربي استثناء من هذه التداعيات.