الجمعة 20 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 21 فبراير 2003 الغريب فيما اصبح يسمى في الأدبيات السياسية والاعلامية بالمسألة العراقية او القضية العراقية انه كلما ابدى العراق تعاونا مع مطالب المفتشين الدوليين زادت الولايات المتحدة الأميركية من تعزيز حشودها العسكرية الى منطقة الخليج تأهبا للحرب المحتملة على العراق، ويبقى السؤال المحير: لماذا الاصرار الاميركي على شن الحرب وبهذه الشراسة مع ان العراق يبدي تعاونا حيّر حتى هانس بليكس والبرادعي؟! لو كان ظهر ان العراق يرفض التعاون مع المفتشين او انه عرقل عملهم لقلنا بأن الادارة الاميركية قد وجدت الذريعة لاقناع العالم بأن العراق يخرق كعادته القرارات الدولية التي أصدرتها الولايات المتحدة واجبرت اعضاء مجلس الأمن على قبولها؟ واذا كانت الادارة الاميركية وافقت على عودة المفتشين الدوليين الى العراق فلماذا لا تنتظر الى حين تنتهي هذه الفرق من عملها وتقدم تقريرها الى مجلس الامن وعلى هذا الاخير ان يقرر اعضاؤه ما يقررونه، لكن ما يلاحظ ان الادارة الاميركية غير آبهة ولا مهتمة بعمل المفتشين بل انها تقول ان العراق يخبئ اسلحة تدمير شامل وفي المقابل يطالب هانس بليكس الادارة الاميركية بتقديم معلومات عن اماكن تواجد مثل هذه الاسلحة واذا افترضنا ان العراق يخبئ أسلحة حظرت عليه لماذا ترفض الادارة الأميركية الكشف عن اماكن تواجدها ولماذا ترفض التعاون مع المفتشين الدوليين وبالتالي التعاون مع الامم المتحدة على اعتبار ان المفتشين يعملون تحت لواء الامم المتحدة ؟! ان رفض الادارة الاميركية التعاون مع المفتشين الدوليين يعني فيما يعنيه ان الحرب قادمة لأنه لا يعقل تحشد قوة عظمى كل هذه الحشود وتواصل حشودها وتسخينها لجبهات القتال وكأنها متعطشة للحرب بينما العالم كله يقول لها تريثي الى حين ينهي المفتشون الدوليون عملهم. منذ ايام اعلنت فرنسا والمانيا انهما يرفضان العمل خارج اطار الامم المتحدة والاشارة تعني انهما يرفضان السياسة التي تسير عليها الادارة الاميركية الحالية والتي تظهر تصرفاتها انها تعرض قوتها على الدول المغلوبة على أمرها وردت الادارة الاميركية على الدولتين المذكورتين بأنهما ان واصلا في انتقاداتهما فسوف تفكر في التعامل مع دول أوروبا الشرقية التي تؤيد كلية الحرب على العراق بخلاف بعض دول أوروبا الغربية.. ماذا يعني ذلك؟ يعني ببساطة ان الولايات المتحدة الاميركية تريد ان تتجاوز اطار الامم المتحدة وما تبقى منها من شرعية دولية وتريد ان تفرض وجودها على العالم بالقوة لأنها تعرف أنها قوة عظمى لا احد يوقفها عند حدها، وهي تعرف ان العراق لم يعد يملك أي شيء يخفيه، لأن كل ما عنده ترصده اقمارها وطائراتها التجسسية بل ما عنده من سلاح لا يكفي حتى للدفاع عن اراضيه بدليل ان النظام العراقي يقف عاجزا امام الزحف التركي على اراضيه فكيف به يهدد السلام الدولي؟.. لقد تكشفت الخدع الاميركية والتبريرات الواهية التي تحاول من خلالها ايهام العالم بأن العراق يمتلك تكنولوجيا عسكرية وبنية نووية بينما يعاني هذا البلد منذ اكثر من عشر سنوات من الجوع وهو غير قادر على توفير الحليب لاطفاله فمن اين له هذه الاسلحة التي يهدد بها السلام العالمي؟. الدول الأوروبية خاصة المانيا وفرنسا من اكثر دول العالم التي تفهم السياسة الاميركية، فالمانيا دولة احتلتها الولايات المتحدة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية الى غاية عام 1991 عندما توحدت الالمانيتان، ومعروف عن الشعب الالماني انه لم ينس تاريخه وكيف قسمت اراضيه بعد الحرب العالمية وبقي هذا الشعب يحمل العداء للولايات المتحدة الى يومنا هذا. اما فرنسا فانها هي الاخرى لا تزال تحن الى العهد القديم عندما كانت امبراطورية تحكم مستعمراتها بالحديد والنار وهي الى اليوم لم تستوعب بأن دولة من قارة اميركا كانت في عزلة تحولت بين عشية وضحاها الى قوة تحكم العالم كله حتى ان الرئيس الفرنسي الاسبق شارل ديغول كان يرفض الانصياع للسياسة الاميركية بدليل رفضه انضمام فرنسا الى الحلف الاطلسي. والملاحظ ان جميع شعوب المستعمرات الاوروبية القديمة تعتقد بأن الولايات المتحدة الاميركية استغلت الحرب العالمية الثانية لتستحوذ على مكانة القوى الاوروبية ولذلك نلاحظ ان الدول الاوروبية تحاول جاهدة ان تحافظ على مستعمراتها من جهة وتحاول ان تضيق الخناق على الولايات المتحدة الاميركية لكي لا تعيث فسادا في هذا العالم المغلوب على امره والذي يزداد اغنياؤه غنى ويزداد فقراؤه فقرا.. كل العالم يعرف ان العراق مظلوم لكن ليس في مقدرة أية دولة ان تتجرأ وتنتقد الادارة الاميركية على سياستها الدكتاتورية الرامية الى الهيمنة على العالم متجاوزة الهيئات الدولية وما يسمى بالقانون الدولي. وللحقيقة ان ملامح دكتاتورية جديدة بدأت تلوح في الافق تقودها الولايات المتحدة الاميركية ويذكرنا ذلك بالدكتاتوريات الاستعمارية التي سادت في القرون الماضية والتي قادتها فرنسا وبريطانيا، فالولايات المتحدة الاميركية تعرف ان تفوقها العسكري والاقتصادي يعطيانها القدرة على الهيمنة على العالم ولذلك لا تعير اهتماما للانتقادات التي توجه اليها فمن يوقفها اذا شئنت حربا على العراق؟ هل دول الاتحاد الاوروبي التي نتودد لها نحن العرب طالبين مساعدتها لاقناع الادارة الاميركية عن العدول على شن العدوان على العراق، ان صدقنا بأن أوروبا سوف تقف الى صفنا نكون سذجا وغير عارفين بخبايا السياسة الاوروبية التي تسعى هي الاخرى بالظفر بمكانة لها في الترتيبات الجارية لاقامة النظام الدولي ولكي نكون واقعيين نقول ان خلافات اوروبا مع الولايات المتحدة الاميركية ليس خلافا على السياسة الاميركية بل الخلاف هو على مناطق النفوذ في العالم، ففرنسا أو المانيا لم يعارضا الحرب على العراق بل انهما عارضا الاسلوب الذي تتبعه الادارة الاميركية مع العراق والرامي الى الهيمنة على العراق من دون اشراك الدول الأوروبية، ففرنسا والمانيا يعرفان ان الادارة الاميركية تريد الهيمنة على آبار البترول في العراق وهذا سوف يكون على حساب المصالح الفرنسية والالمانية والاوروبية عامة ولذلك لاحظنا كيف ينساق رئيس وزراء بريطانيا وراء الادارة الاميركية لانه يريد ان يظفر بحصة من نفط واقتصاد العراق. هذا هو الواقع المرير الذي نعيشه، وللاسف انه واقع يستهدفنا نحن العرب بالاساس، ويتبقى على العرب ان يسارعوا الى اتخاذ موقف مما يحاك من مخططات تستهدف وجودهم ومصيرهم، فالعراق في خطر واذا انهار سوف تنهار بقية الدول العربية وتصبح ترزح تحت هيمنة الدكتاتورية الاميركية الجديدة. ـ كاتب جزائري khiredine@hotmail.com