الجمعة 20 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 21 فبراير 2003 خلال حضوري لمعرض القاهرة الدولي للكتاب الذي عقد في مصر وانتهى في السابع من شهر فبراير الجاري، جرت العديد من الفعاليات الثقافية التي تضمنت قضايا الساعة الساخنة، ومنها بالطبع المجازر التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني يوميا على يد الإرهابي ارييل شارون وعصاباته المدعومة بالغطاء العسكري والسياسي الأميركي، وذلك التهديد بالحرب ضد الشعب العربي بكامله انطلاقا من العراق. فقد أثبتت كل المعلومات التي تم نشرها في الإعلام الغربي وعلى ألسنة عصابة الحكم في البيت الأبيض أن سقوط بغداد في أيدي القوات الاميركية ليس النهاية، بل البداية لفرض السيطرة على كامل منطقة الشرق الأوسط، ونتج عن مناقشة تلك القضايا خروج بعض الشباب المتحمس في مظاهرات صغيرة يقل عدد المتظاهرين فيها عن عدد رجال البوليس المستعد للإحاطة بهم باعتبار أن تظاهرهم تعبير غير شرعي عن الرأي (؟)! يضاف إلى هذا المشهد اليومي الذي كنت التقي به خلال رحلتي الذهاب والعودة ما بين مقر إقامتي والمعرض، والذي يؤكد أن الحرب على العراق واقعة لا محالة وأنها امر واقع، ومن يعارضها أو يعلن احتجاجه عليها لا يعتبر وطنيا يقوم بواجب وطني بل «مؤيد» لنظام صدام حسين، وخارج على المصلحة العامة للوطن، لان حكوماتنا تقوم بواجبها على الوجه الأكمل بتوصيل رفضها للحرب إلى الإدارة الأميركية، التي تصم أذنيها عن نصائح الأصدقاء، بل والتي ترفض حتى مجرد الاستماع إلى حلفائها الأوروبيين. المشهد السياسي في المنطقة العربية لا يشجع على التفاؤل، ولا حتى تفاؤل الشاة التي تقاوم رقودها تحت سكين الجزار لمجرد الإعلان عن رفضها للذبح مجانا. عدت إلى إسبانيا بهذا الإحساس القاتم، وحتى عندما هبطت في مطار مدريد وفتحت خط تليفوني المحمول على رقمه في إسبانيا واستمعت إلى عدة إشارات تؤكد وجود رسائل واتصالات خلال غيابي بالقاهرة لم يتغير هذا الإحساس، ولكن أثناء خروجي من المطار صباح الجمعة الماضي، وكان الوقت مبكرا جدا، فقد وصلت في السادسة والنصف صباحا، وجدت من يوزع أوراقا صغيرة وملصقات تدعوا إلى التظاهر ضد هذه الحرب في العديد من المدن الإسبانية والأوروبية الأخرى، تحدد موعدها في السادسة من مساء السبت الخامس عشر من فبراير. رفض شامل كلما اقتربت من وسط العاصمة الإسبانية واجهت المزيد من الدعوات للتظاهر، وعندما فتحت صندوق رسائل التليفون المحمول وجدت أن معظم الرسائل الصوتية والخطية التي وصلتني خلال غيابي بالقاهرة تدعوني إلى الحضور والمشاركة في التظاهر ضد الحرب، وكان الشعار واضحا ومجردا: «السلام، لا للحرب»، وهو شعار يعلن رفضه للحرب أيا كان نوعها، وضد أي شعب أو بلد دون تحديد، وحتى الجماعات المناهضة بطبعها للهيمنة الاميركية كانت رسائلها ترفض الحرب بشكلها المجرد، وان أضافت إلى هذا الشعار رفضها للهيمنة الإمبريالية، ومقاومتها لأي محاولة أميركية لجر أوروبا إلى حروب جديدة لمجرد أن الرئيس جورج دبليو بوش والمحيطين به يريدون تغطية قانونية لحرب الهدف منها السيطرة على منابع البترول في الشرق الأوسط، وليس نزع أسلحة محرمة يزعمون وجودها في العراق، فيما يتغاضون عن وجودها المؤكد في إسرائيل (؟)!، استخدم الداعون إلى التظاهر التليفون المحمول والإنترنت مما سهل وصولها إلى كل من أرادوا. على الرغم من أن الوقت المقرر مسبقا للمسيرة الاحتجاجية كان في السادسة مساء السبت، فقد قررت الذهاب إلى مكان التجمع الأخير في الرابعة والنصف لأقف في مكان يمكنني من مشاهدة المكان المقرر أن يقرأ فيه ممثلو الجماعات الداعية للاحتجاج بياناتهم، إلا أنني فوجئت بان عدد المتظاهرين فاق كل التوقعات حتى وصل إلى ما يزيد عن المليونين في العاصمة مدريد وهناك ما يزيد عن ضعف هذا العدد تظاهروا في المدن الأخرى، طبقا لتقديرات مصادر مستقلة عن الحكومة، وانتشروا مبكرا حتى احتلوا الشوارع الرئيسية والجانبية لمسيرة الاحتجاج منذ منتصف النهار، ولم يعد بمقدوري الاقتراب من المكان الذي منيت نفسي بالاقتراب منه، كان بيني وبين ذلك المكان حوالي خمسة كيلومترات، كل محطات المترو القريبة من المكان كانت مكتظة بشكل لا يسمح بالخروج من أنفاقها، ومن خلال شاشات التليفزيون المنتشرة في المحطات تحت الأرضية أمكنني مشاهدة ما أقنعني بالابتعاد قليلا عن مركز التظاهر حتى يمكنني الخروج إلى سطح الأرض. عندما تمكنت من الخروج في محطة ميدان «كولون» التي تبعد ما لا يقل عن خمسة كيلومترات من ميدان «بويرتا ديل السول» المقرر أن يكون نهاية المسيرة الرافضة للحرب، وجدت البشر قد انتشروا يحملون أعلاما ولافتات تؤكد أن لكل متظاهر سببا مختلفا لا يجمعه بالمتظاهر الآخر إلا رفض الهيمنة الأميركية متظاهرون يحملون أعلاما ولافتات ترفض ضرب العراق وتؤيد الشعب العراقي، لافتات تؤيد الشعب الفلسطيني في مواجهاته مع الإرهابي شارون، لافتات ترفض التدخل في فنزويلا، لافتات تطالب بإغلاق القواعد العسكرية الاميركية في إسبانيا، لافتات تطالب بمحاكمة الجنرال بينوتشيه في التشيلي عن الجرائم التي ارتكبها بعد انقلابه العسكري هناك عام 1973 بدعم من المخابرات الأميركية، لافتات تطالب بمحاكمة كسينجر عن دوره في جرائم الدكتاتوريات العسكرية في أميركا اللاتينية التي دعمها خلال فترة عمله وزيرا للخارجية الأميركية، لافتات تطالب بمقاطعة السلع والمنتجات الاميركية ردا على تهديد واشنطون بمقاطعة منتجات الدول الأوروبية التي لا تؤيد خططها في ضرب العراق، لافتات تطالب بنزع سلاح الولايات المتحدة وتدين استخدامها للقنبلة الذرية في نجازاكي وهيروشيما خلال الحرب العالمية الثانية، لافتات تدين موقف الرئيس الأميركي من الإجهاض، وأخرى مختلفة موجهة لقضايا الولايات المتحدة طرف فيها وان لم تكن لها علاقة بضرب العراق.. ألخ. كل هذه اللافتات موجهة ضد الولايات المتحدة وسياستها الخارجية، ليس فقط السياسة الحالية التي تحاول جر العالم إلى حرب مدمرة لا يعرف أحد متى ولا كيف تنتهي، بل ضد كل ما تمثله الولايات المتحدة من قيم أساسها الأول: «سياسة القوة»، التي تنتهك مبدأ التعايش السلمي والعمل على حل النزاعات من خلال العمل الدبلوماسي، وتعود بالبشرية إلى زمن مضى كانت فيه السيطرة لمن يمتلك القوة. بيان الجمهور إزاء تعذر الوصول إلى خط نهاية المسيرة، وبعد محاولات فاشلة في التحرك نحو الأمام باستخدام الشوارع الجانبية لاكتظاظها بالمحتجين ضد الولايات المتحدة وسياساتها العدوانية بحثت عن مكان أقل ازدحاما به تليفزيون ينقل تلك المظاهرة على الهواء، قامت بهذا العمل القنوات الخاصة فقط، أما التليفزيون الحكومي فقد تجاهل هذه المسيرة وكأنها تحدث في دولة أخرى تطبيقا لسياسة الرئيس اليميني خوسيه ماريا أزنار الذي أعلن عن دعمه لأي خطط أميركية لضرب العراق، حتى لو تم ذلك بشكل منفرد ودون إذن أو قرار من مجلس الأمن، وهو موقف كان محركا رئيسيا للشعب الإسباني لإعلان رفضه لسياسة حكومة بلاده في هذه الأزمة. وأخيرا عثرت على مقهى صغير ضاقت بمن تجمعوا فيها لمشاهدة المسيرة المناهضة للحرب ومحاولة الاستماع إلى البيان الرسمي للمتظاهرين الذي قرأه ثلاثة من الفنانين المعروفين: المخرج السينمائي الشهير «بدرو ألمودوفار» والفنانة «اينور واتنج» والفنان العجوز الشهير «فرناندو فرنان جوميث». كان اختيار هؤلاء الفنانين لقراءة البيان الختامي لمسيرة رفض السياسة الاميركية مقصودا لإبعاد أي شبهة سياسية عن تلك المسيرة التي تعبر عن رأي الجماهير بغض النظر عن التوجهات السياسية للمشاركين فيها، خاصة أن كثيرين من المؤيدين للحزب الحاكم ومن منحوه ثقتهم خلال الانتخابات الأخيرة شاركوا في تلك المسيرة، واعتبروا موقف رئيس الوزراء الإسباني التابع للولايات المتحدة خيانة لثقتهم فيه. ثم جاء البيان شاملا، وكأن من كتبه أراد أن يدين، ليس فقط خطط ضرب العراق، بل لإدانة السياسة الاميركية بشكل عام والتي تعتبر خطرا على الأمن العالمي، كان البيان معبرا عن جميع المشاركين في المسيرة، ويمكن لكل من شارك فيها أن يعتبر نفسه شريكا في كتابة هذا البيان الشامل الرافض لكل السياسات الشمولية التي تريد الولايات المتحدة أن تفرضها على الجميع بالقوة، واعتقد أن قراءة ذلك البيان تكفي لمعرفة رأي الجماهير الأوروبية في الحكومة الأميركية: بعد قبول العراق للقرار 1441 يقوم المفتشون منذ أسابيع بعملهم بحثا عن الأسلحة المحتمل وجودها في ذلك البلد، وتبين ان الاتهامات الاميركية والبريطانية بامتلاكه أسلحة دمار شامل كاذبة، وان تلك الاتهامات لم تكن سوى لتبرير حرب جديدة في الشرق الأوسط. رغم هذا فان إدارة بوش تواصل استعداداتها العسكرية للقيام بهجوم عسكري، إضافة إلى ضغوطها على الدول الأخرى لتحصل على تأييد دولي لتنفيذ خططها العسكرية وبشكل خاص على حكومات الدول الأعضاء في حلف الأطلنطي، والدول الأخرى المجاورة للعراق، حتى اصبح خطر الحرب محتما، وكل المؤشرات تؤكد أن الولايات المتحدة ستبدأ هجومها خلال الأسابيع القليلة القادمة لتحتل بغداد، وتقيم فيها إدارة عسكرية أميركية، وبعدها تنصب نظاما صوريا يخدم مصالحها الاستراتيجية. التهديد بهذه الحرب يتم من خلال تغييب إعلامي للحقائق، ويخفي أن العراق الآن دولة تم إفقارها برغم الثروات التي تمتلكها طول سنوات عديدة من الحصار الاقتصادي والتدمير المتعمد لمنشآتها، طبقا لإحصائيات الأمم المتحدة فان اثنتي عشر سنة من الحصار مات خلالها اكثر من مليون مواطن عراقي بينهم ما لا يقل عن 800 ألف طفل تقل أعمارهم عن خمس سنوات، إضافة إلى الضحايا المباشرين لهذه الأزمة فيمكننا الحديث عن كارثة بشرية سيذهب فيها الملايين من الشعب العراقي ضحايا للجوع والأوبئة الناتجة عن هذه الحرب الجديدة. هذه حرب غير أخلاقية، الهدف منها ليس سوى تحقيق مصالح سياسية واقتصادية، إنها حرب جديدة من اجل السيطرة على البترول، ويؤكد هذا الخطط الاميركية المزمع تطبيقها في المنطقة بعد الحرب، وهي خطط تم نشرها وتحدث عنها كولن باول، وهو ما لا يدع مجالا للشك: الهدف هو السيطرة على منابع البترول وتأمين وصوله رخيصا إلى الدول الصناعية، وفرض السيطرة الإسرائيلية في منطقة الشرق الأوسط بالقوة، وتحويل شعوب المنطقة وثرواتها إلى أدوات في خدمة الاقتصاد «المعولم». خطر عالمي إذا كان الهدف المعلن لتلك الحرب هو تغيير النظام السياسي في العراق فان حدوث هذا سيضع موضع التنفيذ تغيير أنظمة سياسية أخرى بالقوة في مجمل منطقة الشرق الأوسط، بما فيها الابتلاع النهائي لغزة والضفة الغربية وضمهما إلى إسرائيل والقضاء على السلطة الوطنية الفلسطينية وطرد السكان الفلسطينيين من أراضيهم. التدخل في العراق سيضع العالم أمام حالة جديدة من فرض الأمر الواقع في نظام عالمي مختلف، يسقط كل الشرعية القائم عليها النظام العالمي الحالي، ويفرض عقيدة «الحرب الوقائية» كقاعدة جديدة في التعامل الدولي، ويقضي على حقوق الشعوب في تقرير مصيرها، فالحرب الوقائية لإدارة الرئيس جورج بوش ليست سوى فرض الهيمنة الاميركية على العالم اجمع، وذلك من خلال القوة العسكرية والتدخل المباشر لتغيير الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفرض نظام أميركي بالقوة، وهو ما يحتاج إلى تغيير النظم الحاكمة والحكومات وممارسة القمع ضد الشعوب الرافضة للهيمنة الأميركية، وقد بدأت بالفعل في تطبيق هذه العقيدة الاميركية الجديدة في منطقة أمريكا اللاتينية، وما يحدث في فنزويلا ليس سوى جزء من تلك العقيدة السياسية الجديدة التي تريد القضاء على النظم الديمقراطية الفتية فيها. هذه الحرب لا أخلاقية، وتنفي شرعيتها كل القوانين الدولية، ولا يمكن لأي قرار أممي يصدر عن مجلس الأمن أن يضفي أي شرعية على هذه الحرب، لان الولايات المتحدة تمارس منذ زمن الضغوط السياسية والاقتصادية على الدول الأعضاء في مجلس الأمن، حتى الأعضاء الذين يملكون حق النقض «الفيتو»، والرضوخ لهذه الضغوط لن يسكت الرأي العام العالمي، يمكن لإدارة بوش أن تفرض إصدار قرار جديد في مجلس الأمن يخول لها استخدام القوة ضد العراق، لكنها لن تستطيع إسكاتنا. على الرغم من الضغوط الاميركية على حكومتنا فان اكثر من 75 في المئة من شعبنا يرفض هذه الحرب أو المشاركة فيها، حتى لو صدر قرار من مجلس الأمن بذلك فإننا سنظل نرفضها، وإذا كان (رئيس الوزراء) خوسيه ماريا ازنار قد قدم مسبقا دعمه لبوش من خلال وضع القواعد العسكرية المشتركة في خدمة هذه الحرب، فإنه ارتكب بذلك مخالفة خطيرة للقوانين الدولية والمبادئ الدستورية الوطنية، ولو اقدم ازنار على تنفيذ مطالب بوش للمشاركة في الحرب بجنود إسبان فانه يكون قد ارتكب مخالفة مضاعفة، لان الاستفتاء على دخول حلف الأطلنطي يتضمن عدم المشاركة في أعمال عسكرية ضد الغير. لكل هذا فان مشاركتنا في حرب ضد العراق يضعنا موضع المعتدي على الشعب العراقي، وفي الوقت نفسه يهدد ديمقراطيتنا الداخلية، ويفقدنا حقوقنا المدنية، ويضع حريتنا في خطر. اعتقد ان هذا البيان لا يحتاج إلى تعليق، خاصة أن البيانات الأخرى والشعارات التي حملها المتظاهرون في الدول الأوروبية الأخرى تحمل المعاني نفسها: «لا للحروب الأميركية»، ويشكك في شرعية بعض الحكومات الأوروبية في تمثيل شعوبها، وبشكل خاص حكومات بريطانيا وإسبانيا وإيطاليا. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا