الجمعة 20 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 21 فبراير 2003 ان معرفة نصف الحقيقة اخطر من الجهل بالحقيقة كلها، وان اصدار حكم نهائي على ان المتسبب في الازمة الحالية هي جهة واحدة بعينها هو نصف الحقيقة وليست الحقيقة الكاملة، النصف الثاني من الحقيقة المغيبة يتمثل عمدا في تحميل المليار مسلم جزءا من المسئولية ازاء الوضع الحرج الذي آلت اليه الأحداث الاخيرة، ومن المؤسف انه رغم فداحة الموقف المتفرج، واعلان حالة التخلي عن المشاركة الشعورية والعملية ازاء القضايا القومية الا ان آلتنا الاعلامية اصرت على ان تقدم شهادة حسن سير وسلوك وتمنح براءة ذمة لمئات الملايين من الجمهور العريض لانهم حسب طرحها غير الناضج ابرياء ومهمشون ولا حول لهم ولا قوة!! لقد ظل الطرح الاعلامي طيلة السنوات الاخيرة يصرف الجموع عن الالتفات الى ادوارهم المنتظرة في خدمة قضاياهم ويشدهم الى الافق الاوحد حيث الحديث عن الخيانة والخذلان من قبل فئة معينة حملها عبء التردي والخيبة، واجاد القيام بدور المحامي الحاذق لجمهوره من ابناء العروبة والاسلام اولئك الابرياء حسب تعبيره، العاجزين عن فعل اي شيء، الذين توصد الابواب امامهم ولا يملكون الا الحوقلة والاسترجاع وذرف الدموع على واقع لا يملكون معه الا الاذعان والاقرار بتفوقه وسطوته!! الناظر من بعيد، والذي يقرأ نتائج هذا السلوك الاعلامي غير الناضج يعلم انه ليس ثمة وصفة للفشل والضياع ادق من هذه الوصفة، حتى ان الشيطان نفسه لو فتح له المجال ليدلي بدلوه، ويسرب مفاهيم لتثبيط همم ابناء هذه الامة فانه لن ينجز المهمة المطلوبة منه بمثل هذه الصورة التي قدمها الاعلام العربي ولن يستطيع ان يبلي ذلك البلاء اللافت الذي قدمه الاعلام في مشواره الطويل لغسل ادمغة فئات متعددة من المستهلكين للثقافة الاعلامية، مستثمرا ضعف الرؤية والتصور حول قضايا حساسة لم يتبلور الموقف النهائي حولها في ذهن تلك الفئات التي تطوع الاعلام في تشكيل منظومة المفاهيم الخاصة بها والتي جاءت مخيبة للامال، حيث غطت على النصف الثاني من الحقيقة والخاص بالدور المحوري الذي يجب ان يلعبه الجمهور العريض على مسرح الحياة دون انتظار ان تأتي معجزة من السماء وتبني قصور الحرية المهدمة، وتشيد اركان الديمقراطية الضائعة في دهاليز السياسة، والتي دونها من الالغام والاشواك ما يدمي قدم السائر، ويصرفه عن اكمال الطريق!! لقد تنوعت اساليب غسيل الادمغة لكن النتيجة واحدة، ولصالح اهداف المسيسين للرسالة الاعلامية المعاصرة، فتارة يتطوع الاعلام لتبرير القصور في مشاريع التنمية الشاملة على انها نتيجة المؤامرة الخارجية، صارفا الاذهان عن التخاذل الرسمي والشعبي في مواجهة التحديات والاصرار على انجاز الاهداف المطلوبة وتارة يفتح المجال للتنفيس عن الانفعالات الحادة عبر الخطوط الهاتفية الساخنة التي تشجب وتندد وتشتم الخونة واعداء الامة، وكأن مطلقي تلك العيارات اللفظية قد ادوا ما عليهم من واجب تجاه تحقيق انتمائهم الوطني وهويتهم القومية، وتارة تستضيف شخصيات ديناميتية تتحدث عن الارتباك في المواقف السياسية ولا تنطق بكلمة واحدة حول تخلي الملايين من أبناء الشعوب المسلمة عن اداء ضريبة الانتماء الى هذه الامة، وعن الانتكاسة الاخلاقية المريعة التي يعاني منها المجتمع اليوم والتي اظهرت افلاسا فكريا، وكشفت عن انهيار اخلاقي لم يحظ حتى اللحظة الراهنة بوقفة شجاعة تقول للجموع المتدافعة على الشهوات: ان طريق تحرير الاقصى لا يمر عبر نفق الاهواء ولا عبر بوابة اللهو غير المباح. والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا يصرّ مطلقو القنابل الصوتية على غض الطرف عن الممارسات غير المسئولة التي تصدر من افراد المجتمعات العربية والمسلمة؟ لماذا يصدرون صكوك غفران لأشباه النيام من الملايين التي لم يعد لها هدف سوى ان تحيا كالسائبة من الانعام؟ لماذا يتجاهلون كبرى الحقائق التاريخية التي تؤكد ان الانهيار الاخلاقي هو الطريق الاقرب للخروج من التاريخ، وانهاء المعارك الخارجية لصالح الاعداء بعد ان اخترقت الجبهة الداخلية من قبل المجترئين على الخطوط الحمراء؟ لن تقوى جبهاتنا الخارجية وثمة انهيار داخلي يقدم رسالة مرئية بأن الامة مصابة بأنواع من الأسقام في الروح والضمير. ترى لماذا يخرس الاعلام عن ذكر هذه الحقائق؟ هل لانه يعاني من اعراض الانفصام النكد الذي تعاني منه الامة؟ ام لان لديه ازدواجية في المعايير كالتي لدى من يرشقهم بحممه الكلامية؟ ام لانه يتعمد ان يقدم نصف الحقيقة لاسباب هو أعلم بها من سواه؟! ان اجابة هذه الاسئلة في بطن الآلة الاعلامية التي ننتظر ان تفرج عنها في الايام المقبلة!