الجمعة 20 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 21 فبراير 2003 منذ برزت وترددت في معجم كلامنا المعاصر عبارة «لجان التفتيش» وعبارة «المفتشين الدوليين» ووجداني شخصيا يتوجس شرا، حيث علقت بها شبهات منفرة، وصارت لها ايحاءات غير مستحبة، نشأت وتبلورت مع مرور التجارب والايام. في الطفولة والصبا ـ مثلا ـ كانت ابغض الشخصيات في وجدان أهل بلدتي الريفية، هي مفتش التموين، ومفتش الزراعة، ومفتش الري، ومفتش المباحث، وغيرهم من المفتشين، لا لان اهل بلدتي البسطاء كانوا من الخارجين على القانون والنظام، وانما لاعتقادهم ان عمل هؤلاء المفتشين ليس منزها عن الهوى والمحاباة والفساد والاخذ بالشبهات وظلم الضعفاء والفقراء، انني لا انسى ابدا ما عانيته وعاناه اهل البسطاء من قلق وخوف من مداهمات «مفتش المباحث» وتفتيشه اوراقي وكتبي وانحاء بيتنا بين الحين والآخر، على امتداد مسيرة العمر الطويلة. ومن الذكريات التي كانت تؤرقنا خوفا، وان كانت الآن تضحكنا حين نذكرها، ان زيارات «المفتشين» المفاجئة للمدرسة كانت احداثا مثيرة للقلق والاضطراب في نفوس الناظر والمعلمين والتلاميذ، كما كان من اثقل همومنا في طابور الصباح عمليات «التفتيش» التي يقوم بها المعلمون للتأكد من قصر اظافر ايدينا، ونظافة احذيتنا! فلما انتقلنا الى المدرسة الثانوية في المدينة المجاورة، صار «مفتش» القطار الذي يقلنا، هو الكابوس المفزع للتلاميذ الذين كانت رقة احوالهم تدفعهم الى ركوب القطار «تزويغا» اي بدون تذاكر. وهكذا صارت لكلمة «التفتيش» او «المفتشين» سمعة سيئة في وجداننا، زادتها سوءا الادبيات والمعارف التاريخية التي كنا نحصلها، وفي مقدمة ذلك «محاكم التفتيش» التي نصبت في انحاء اوروبا في القرون الوسطى، وارتكبت ابشع جرائم الاضطهاد والملاحقة والقتل والحرق للابرياء وكان من ضحاياها بقايا المسلمين في اسبانيا بعد سقوط الاندلس، وقد اشار اليها شاعر النيل حافظ ابراهيم، في قصيدته في حادثة دنشواي، والمحكمة الصورية الظالمة التي شكلها الانجليز المحتلون، وحكمت بالاعدام على اربعة من فلاحي قرية دنشواي الابرياء، فقال: ليت شعرى، اتلك محكمة التفتيش عادت، أم عهد نيرون عادا؟ وحتى في الادب العالمي، عرفنا ما زاد سمعة كلمة «التفتيش» سوءا، وأعني بخاصة المسرحية الشهيرة «المفتش العام» لرائد الواقعية في الادب الروسي جوجول، والتي امتلأت بالسخرية اللاذعة من فساد الادارات الحكومية المحلية. وفي الامثال الشهيرة يقال في البحث عن اسباب المشاكل والجرائم احيانا: «فتش عن المرأة». وبالاجمال، ارتبط في وجداني والوجدان الشعبي بعامة، كثير من معاني الظلم والفساد، بألفاظ: «التفتيش» و«المفتشين» وزاد على تلك المعاني معاني: التجسس، وسوء النية، والتآمر، التي تبيناها او نستشعرها في عمل «المفتشين الدوليين»، او «لجان التفتيش» في العراق. اما من حيث اللغة، فالطريف الجدير بالذكر، ان كلمة «فتش» من حيث بنيتها وحروفها، من الكلمات التي لم تعن بها اللغة او تستحبها، ولذلك فان الكلمات التي فيها «فاء» و«تاء» و«شين» قليلة جدا في اللغة العربية وقد قال ابن دريد الازدي: «التاء والشين مع الفاء اهملت، وكذلك حالهما مع القاف والكاف واللام». وفي اللغة يقال: «فتش الشيء» (بفتح التاء)، و«فتش الشيء» (بفتح التاء مع تشديدها)، بمعنى: فحصه ليعرف محتوياته، او ليعرف مدى ما اتبع في انجازه من دقة واهتمام، و«فتش عن الشيء» (بفتح التاء مع تشديدها) بمعنى: بحث عنه. ومن الخطأ الشائع قول بعضهم: «فتش على الشيء»، والصواب هو: «فتش الشيء» او «فتش عن الشيء» وليس عليه، ومن ذلك قول الشاعر: اذا انت فتشت الرجال وجدتها قلوب الاعادي في ثياب الاصادق