الجمعة 20 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 21 فبراير 2003 صدفة غريبة حدثت ليلة الاحد الماضي.. غالبية القنوات الفضائية العربية كانت مشغولة بنقل وقائع الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب في مقر الجامعة العربية المطل على كورنيش النيل في قلب ميدان التحرير بالقاهرة.. في حين ان قناة تلفزيونية خاصة تابعة لشبكة «الشوتايم» كانت تبث فيلماً مصرياً اسمه «ثرثرة فوق النيل». ظللت أتنقل بين الفضائيات بحثاً عن جديد يقال في الاجتماع الطارئ علَّ معجزة تحدث بشأن انقاذ العراق من العدوان الاميركي المتوقع، وعندما خاب ظني كما كان متوقعاً حسمت امري وقررت متابعة الفيلم الذي لا يبث الا نادراً نظراً لجرأته. الفيلم انتاج عام 1966 ومأخوذ عن رواية بنفس الاسم للكاتب الكبير نجيب محفوظ ـ شفاه الله ـ تدور احداثها حول شلة تضم موظفاً ومحامياً وصحافياً وكاتباً ومترجمة وممثلاً وممثلة «تحت التمرين» وامرأة على وشك الطلاق، اجتمعوا معاً داخل عوامة في النيل منفصلة تماماً عما يحدث للمواطنين من مشاكل وهموم. الشيء الوحيد الذي يجمع الشلة هو «الكيف» او الجلسات الماجنة لتدخين الحشيش، وذات ليلة وعلى سبيل التغيير قرروا الذهاب الى احد الاماكن الاثرية خارج القاهرة، لكنهم في طريق عودتهم الى العوامة صدموا بسيارتهم فلاحة شابة فقيرة فقتلوها ثم ولوا هاربين. وظلت حياتهم تسير على نفس المنوال الى ان دخلت حياتهم صحفية قررت مناقشتهم علّهم يعودون الى الطريق القويم او فضحهم في تحقيق صحفي، لكنها لم تفلح الا في انقاذ احدهم «نصف التائه ونصف الميت»، ولم يحدث ذلك الا بعد زيارته للجنود على الجبهة مع اسرائيل واكتشافه ان مجتمع العوامة كان معزولاً تماماً في «جزيرة انفاس الحشيش»، هذا التائب سار وسط شوارع القاهرة هاتفاً بأعلى صوته «الفلاحة ماتت ولازم نسلم نفسنا، يا ناس فوقوا.. كفاية حشيش». ذلك هو ملخص الفيلم الذي التزم تقريباً بجوهر فكرة نجيب محفوظ، ظننت للحظة ان الرواية تمت كتابتها الآن وليس قبل اكثر من 37 عاماً، او كأن محفوظ لفرط عبقريته تصور ما سيحدث بعد كل هذه السنين على ضفاف النيل، ليس داخل العوامة، بل داخل الجامعة العربية أو كل منتدى سياسي عربي رسمي. الجامعة مظلومة، نعم، عندما نحملها فوق طاقتها، لكن ما يحدث داخلها الآن فاق في «هزله» كل ما كتبه كبار كتاب العبث العظام على سبيل المزاح، وبعد نهاية الفيلم وجدت نفسي اقارن بين ما حدث لابطاله ونهايتهم وما حدث في اجتماع وزراء الخارجية العرب وما يحدث في غالبية الاجتماعات العربية الرسمية. وحاشا لله ان اقارن موضوعياً بين الحدثين.. فالوزراء العرب بينهم شخصيات على قدر كبير من العلم والخبرة وبعضهم ـ مثل الجامعة ـ مغلوب على امره، ينفذ سياسة رسمية «لا ناقة له فيها ولا جمل» ولكنني لم استطع في النهاية مقاومة اغراء المقارنة ولو شكلياً. الجامع بين الحدثين، رواية محفوظ واجتماع الجامعة، ان المكان واحد وهو ضفاف نهر النيل، واذا كان ابطال الرواية غارقين في ادمان الحشيش، فإن ابطال الحدث الثاني ـ معظمهم ولا نقول كلهم ـ غارقون في ادمان اميركا، يشترك الاثنان ايضاً في الثرثرة، لكن المشكلة ان ثرثرة ابطال الرواية تظل قاصرة على المجال الروائي الخيالي الذي صنعه الكاتب، في حين ان ثرثرة الوزراء ثبت للمرة المليون بعد التريليون انها بلا فائدة. ولم تعد تقنع احداً، لأن اخفاء الحقيقة في عالم الفضائيات لم يعد ممكناً الآن، كما ان اميركا نفسها تتولى فضح كل شيء اولاً بأول! في ثرثرة الرواية يمكنك ان تسمع وترى وتستمتع بجمال الاسلوب وفن الحبكة الدرامية، وبعض «الافيهات والقفشات» الظريفة اضافة لبعض «المناظر»!، لكننا في ثرثرة الاجتماع العربي الاخير وجدنا خناقات واعتراضات ومحاور و«ضرب من تحت الحزام» تطور الى شتائم وصلت الى تهديدات من بعض الدول الاخرى، وفي النهاية لم يتمكن الوزراء من مجرد تحديد موعد لاجتماع القمة، وعاد كل منهم الى بلده محاولاً ابراء الذمة، وان الفشل القادم المتوقع لا يتحمله هو وبلده، بل الاخرون! واخيراً فإن ثرثرة عالم المساطيل لم تمتد اضرارها الا لنحور الشخصيات الروائية الخيالية، وظلت جريمتهم الوحيدة هي قتلهم «فلاحة غلبانة» قبل ان يكتشفوا عالم الوهم الذي يعيشون فيه، لكن ثرثرة السادة الوزراء قبل هذا الاجتماع وبعده ولفترة طويلة قادمة قتلت أمة بكاملها، والمأساة ان المتهمين لا يشعرون بما فعلوا، يصرحون، ويتحدثون، ويثرثرون، ويحللون، ويتفلسفون وبراءة الاطفال في عيونهم! ثرثرة محفوظ الروائية تنبأت بعمق بـ «نكسة» 1967، فهل ثرثرة الوزراء الاخيرة اشارة الى «نكبة 2003»؟ ربنا يستر!