الخميس 19 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 20 فبراير 2003 سقطت ورقة التوت، وانكشفت عورة الإعلام الغربي الغارق حتى النخاع ـ إلا قليلاً ـ في مستنقع الانحياز ضد الحقائق، بعد أن تحولت وسائطه المطبوعة والمرئية إلى أبواق مأجورة تفح بنفير الحرب، وتمهد بقنابلها الخداعية، لحملات اسقاط قنابل الموت الجماعي. وحتى لا ننضم إلى الهاربين من أداء فريضة المجاهرة بكلمة حق، أولئك الذين ربحوا صفقة التصالح مع شياطين الفساد والافساد في الداخل، مقابل حرية زائفة وشجاعة أكثر زيفاً تتيح لهم انتقاد كل طواغيت الآخر في الغرب، والصمت عن جرائم الدمى التابعة الدائرة في فلكهم، وحتى لا تلحق بنا تلك الخطيئة لن نستثني البعض من وسائط إعلامنا العربي من تهمة الانضمام لجوقة قارعي طبول الحرب، وفرق تزييف الوعي وتضليل الرأي العام، في محاولة يائسة لكسبه إلى صف الغزاة الصليبيين الجدد، على النحو الذي انجرفت إليه صحيفة قاهرية كبرى، وخاصمت كل تاريخها الحديث منذ الخمسينيات كصوت للرصانة والموضوعية، بعد أن طاردتها طيلة تاريخها الأول جريرة النطق بلسان المحتل الأجنبي!! حتى لا نتوه عن ضالتنا الأولى، ونتيه في دروب جانبية، نذكر بأن الإعلام الدولي أسس منظومة مفاهيم ومصطلحات ومعايير للرسالة الإعلامية تعلي من قيمة الحقيقة أو الواقعة، وتميزها مطلقاً عن الرأي، ولا تسمح بالخلط بين الخبر والرأي، فالأول ملك للقاريء، أما الثاني فإسناده إلى قائله، ولا يلزم به القاريء أو الصحيفة، دون عسف أو قمع أو تحوير أو تجهيل. لكن، يبدو أن هذه المفاهيم صارت من أحاديث الماضي، أو للمناسبات والاحتفاليات، من باب التغني بمجد زائل، زوال مجد أسلافنا الذين أهدرنا ميراثهم في الإباء والكرامة. فالمتابع لما تنشره الصحف الغربية في معظمها ـ باستثناء عدد قليل ـ يذهله هذا الطوفان من القصص الاخبارية والأخبار والتقارير والتحليلات سابقة التجهيز، بل والمكررة، ولكنها تنطق بهدف واحد هو اننا كعرب نستحق الضرب بكل أسلحة الدمار الشامل، بل ويستحق اخواننا في فلسطين أبشع مما يفعله معهم الارهابي أرييل شارون، فيما أهلنا بالعراق يستحقون ان يدفنوا تحت الأطلال، من أجل هدف أنبل وهو تحريرهم من جبروت من يوصف بأنه طاغية. وبسبب كثافة الحملة الإعلامية المسعورة، واختلاط العناوين التحريضية لكبريات الصحف الأميركية والأوروبية، يجد أي متابع نفسه في موقع الشك بأن معظم هذه الصحف صارت تابعة لمكتب التضليل الإعلامي الأميركي، المنوط به افقادنا القدرة على التفكير الصحيح وحتى الرؤية، بعد ان يمطرنا بقنابل دخان مسيلة للأكاذيب ومسهلة لامتصاصها عبر مسامنا. وهذه ليست من باب خداع الذات، أو أحلام اليقظة، بل حقيقة يتجادل حولها إعلاميون غربيون وصحف لم تفقد بعد عذريتها، ولم تسقط في فخ المتاجرة بضميرها، حيث تكشفت مهزلة قيام الامبراطورية الإعلامية لليهودي روبرت مردوخ بمهمة تسويق الأكاذيب، والتمهيد لضرب العراق عبر نشر أي مواد تسهم في كسب عقول وقلوب الرأي العام الغربي. وتقوم 175 صحيفة ومجلة تصدر في ثلاث قارات: أوروبا، أميركا، آسيا، وتوزع أكثر من 40 مليون نسخة بحملة منسقة لتضليل الرأي العام، واطفاء غضبه المتفجر على قارعي طبول الحرب في البيت الأبيض الأميركي والبنتاغون، لكن دون جدوى، حيث تفجرت شوارع أوروبا وأميركا منذ أيام بمظاهرات هي الأضخم منذ احتجاجات الستينيات من القرن الماضي على حرب فيتنام. ويجاهر اليهودي روبرت مردوخ مالك تلك الامبراطورية الإعلامية بأنه يخوض معركة الإعلام لصالح غزو بوش للعراق من أجل نفط رخيص يرفع عن كاهل الأميركي والأوروبي عبء المزيد من الضرائب، إلا أنه لاذ بالصمت عندما خرج الأميركيون في نيويورك وسان فرانسيسكو وهم يهتفون: لا مزيد من الدماء من أجل النفط. أما في شارعنا العربي المسكون برذيلة الصمت ـ عجزاً أو قهراً ـ فيبدو ان معركة تزييف الوعي كسبها حلف شياطين التبعية والفساد والمتاجرون بأنبل الشعارات من أجل مصالح زائلة.