الخميس 19 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 20 فبراير 2003 المايسترو الراحل يوسف السيسي عرفته عندما دخلت الجامعة، وعرفت أن أهم مكانين فيها هما بوفيه كلية الآداب وبوفيه كلية الحقوق. وكان من ائمة الثاني يوسف السيسي عاشق الموسيقى الذي سافر فيما بعد ليتعلم قيادة الاوركسترا، ويصبح واحدا من كبار هذا الفن في العالم. وفي الثمانينيات سافر ليعمل في كوريا الجنوبية، وكانت الوحدة تقتله، واتصل بي عدة مرات يشجعني على أن أزور كوريا. ورغم حبي للسفر الا أنني لم أفكر في ترجمة دعوته. ذلك انني كنت أرى ـ وبالتأكيد لم أكن على صواب في هذا ـ أن كوريا هي انعكاس لحضارات شرق اسيا وبالذات الحضارتين الصينية واليابانية، وهو ما أنكره تماما صديقي المخرج المتميز عباس أرناؤوط عندما شرح لي اصالة الحضارة الكورية وريادتها في بعض المجالات التي تشغله مثل الرياضات الروحية. وبعد أن عاد يوسف السيسي لامني لأنني لم أقم بهذه التجربة، لكنني ـ للغرابة ـ لم أحس أنني فقدت شيئا. وحتى بعد أن ذهب أحد أقربائي ليعمل في كوريا لم أجد الرغبة في تلبية دعوته وكانت الوحدة التي يعيش فيها قريبي أقوى من الوحدة التي عاشها يوسف السيسي فأخذ يلح الحاحا شديدا، ونجح مع البعض الذين لا يسافرون الا بصعوبة، أما أنا فلم استجب لهذا الالحاح. لماذا؟ لن أقول ما قلته مرة أنني كنت أضيق بالصفحات التي تنشر في الستينيات من أقوال كيم ايل سونغ، فأنا أعرف أن كوريا الجنوبية غير الشمالية. وأن نشر صفحات من أقوال زعيم في الصحف كاعلان عادة عربية أكثر مما هي عادة كورية. والاجابة عن السؤال صعب؟ لم أجد نفسي تواقا للسفر الى كوريا هذا كل ما هنالك. وفي الأسبوع الماضي عاد قريبي من كوريا في اجازة، وبالطبع أتصل بي. وبالطبع دعوته الى الغداء في بيتنا. وكنت مضطرا الى هذا، فالدعوة بالنسبة للعائلة اذا لم تكن في البيت لا تكون دعوة! وأذكر ان صديقا اتصل بي ليقول لي أن أسرته قررت أن تقضي اجازتها في القاهرة. ولما كنت أحب هذه الأسرة فلقد صاحبتهم أوقاتا كثيرة، ودعوتهم الى أجمل الأماكن، وتخيلت أنني أديت الواجب وأكثر ولكن أم صديقي قالت لي: لم نأكل في بيتك! وضاع كل ما فعلته. وعائلتنا تفكر بنفس الطريقة لذلك دعوت قريبي الى غداء في البيت. وعندما فتحت الباب وجدت قبيلة صغيرة. وكان قد أتى ببعض أقاربه ممن أعرفهم، وأتى أيضا بسيدة اكتشفت لحظة دخولها انها أميركية. ولا جناح عليه في هذا. فنحن ـ لسنا كأميركا ـ نمنع هذا أو ذاك من دخول بيوتنا. ونفترض حسن النية حتى يثبت العكس، ولا نحكم على شخص للونه أو دينه أو جنسيته، الا اذا كان ذلك مرتبطا بالشر المؤكد. ومع أول حديث اكتشفت انها سيدة أميركية عادية لكنها متعاطفة مع العرب ليس نتيجة ثقافة بل نتيجة معرفتها بالبعض ومنهم قريبي هذا. وكانت قد قامت بينها وبين أسرته صداقة نتيجة الجيرة، فلما سافر بسرعة لأسباب قالها ولا أذكرها، حلت مكانه وباعت بيته باسمه، وصفت أعماله، ورفعت له بعض القضايا وكسبتها. ومن هنا زادت الصداقة. ولما كان قريبي وأسرته قد أتوا الى مصر في اجازة، فلقد اتصل بها ليدعوها الى الاجازة معهم، ومن بينها تلبية الدعوات حتى دون أن يعلن ذلك! قالت لي السيدة أنها عندما ذهبت لحجز تذكرة السفر نصحتها السيدة في مكتب الطيران الا تسافر الى الشرق الأوسط في هذه الأيام، فالحرب قائمة قائمة ـ هكذا قالت السيدة ـ ومن الخطير أن تحضر هذه الحرب فربما كانت نووية ـ هكذا أيضا قالت السيدة ـ وانه من الأفضل أن تذهب الى بلد آخر. وعرضت عليها اختيارات أخرى من أوائلها اسرائيل. قالت الأميركية صديقة قريبي: ولكن اسرائيل في الشرق الأوسط! واسقط في يد الأميركية الأخرى أي التي ليست صديقة قريبي. ولكنها صممت على ترشيحها. ولم تأبه الأميركية صديقة قريبة. ولكن يبدو أن الأخرى انتصرت فلم يكن على الطائرة أميركي واحد. وقلت لها: بهذه المناسبة ألم تفكري في زيارة كوريا؟ تدخل قريبي وقال أنه دعاها وانها ستذهب إليها في الصيف المقبل، وألح ـ كالعادة ـ في أن نذهب في نفس الوقت. وأخذ يشرح ما أعده لراحتنا. قاطعته قائلا: انني عندما سألت السيدة وهل تزور كوريا كنت أقصد كوريا الشمالية؟ قال في ازدراء: وماذا في كوريا الشمالية غير الجوع والطاقة. انها من أفقر بلاد الدنيا. ومعظم سكانها تحت خط الفقر. قلت مشاكسا: ولكنها بلاد تعتني بكرامتها. أرأيت كيف واجهت أميركا. طيب. أترى كيف واجهنا نحن أميركا بالمقارنة لها. لقد ركعنا فطلب العفو ولكن السيد جورج دبليو بوش مصمص شفتيه اذ لم يعجبه طريقة ركوعنا. فالركوع للسادة له أصول. ولما كنا خبراء في الأصول، فلقد عدلنا من ركوعنا لكن المصمصة استمرت. وما زلنا نركع ونعدل الركوع لعلنا نجد الرضا. ولقد جن جنوني وجنون من حولي لأن شعوبنا لم تخرج في مظاهرات تطلب وقف الحرب، مع أنها ستكون أول ضحية هذه الحرب، ولكن هذه الشعوب تجاربها في المظاهرات تجارب مريرة. هل تصدقون ان اسماعيل صدقي في عام 1946 تصدى لمظاهرت الطلبة على كوبري عباس بأن فتح الكوبري وطارد الطلبة فكانت النجاة في أن يسقط الطالب في النيل غريقا، أما من بعد عن السقوط داسته أرجل الجنود وأسلحتهم. وفي عام 1968 خرج الطلبة يتظاهرون ضد المسئولية عن الهزيمة. وكنا نعمل في شارع رمسيس، فوقفنا ـ سعد الدين وهبة وأنا ـ نطل على الشارع حيث مظاهرات الطلبة التي تصدت لها قوات الشرطة وأخذت تطلق الرصاص. ويبدو أن الريبة انتابتنا في لحظة واحدة فعندما طلبت من سعد الدين وهبة الدخول خوفا من أن يصيبنا الرصاص واستجاب للدعوة سقط بين يدي وقد اصابته رصاصة بجوار القلب. وحملناه الى مستشفى المواساة القريبة من العمل، واخترقنا به المظاهرات والرصاص. ووجدنا ان عشرات الطلبة نقلوا الى المستشفى. وعرفنا ان بعضهم ماتوا. بصراحة دون لف ودوران الحكام العرب لا يثقون في شعوبهم ولهم حق. والشعوب العربية لا تثق في حكامها ولها حق. والعلاقة بين الطرفين علاقة سيئة عبر التاريخ. وأدلكم على ظاهرة مضحكة تدل على هذا؟ قواعد الرادار توضع على طريق المحور الذي يصل بين المدينة التي اسكنها وبين القاهرة: واحيانا يتجاوز البعض السرعة المقررة فتوقفهم لجان الشرطة. ولذلك هناك طقس غريب يحدث عند وقوف منصات الرادار أن تحذرك السيارات القادمة من اتجاه الرادارات وذلك عن طريق الاضاءة المتقطعة. وذات مرة كنا في طريقنا الى القاهرة فوجدنا جميع السيارات تعطي الاشارة الضوئية بالتحذير في مشهد سينمائي يفوق خيال أي مخرج، فقال صاحبنا: تحالف قوى الشعب العاملة! ولكن الطامة الكبرى ان احدى عربات الشرطة شاركت في التحذير. فهذا الجندي الغلبان أراد تحذير مواطنيه فانتقل من صفوف السلطة الى صفوف الشعب. إن قصة الحكومة والأهالي في العالم العربي تقوم على معادلة كيميائية لا حل لها. وأنا من الذين ولدوا وراية العرب حلمهم وأملهم ونشيدهم. لكنني فكرت وأنا أرى شعوب الدنيا تتظاهر من أجلنا ونحن تحت الموائد خوف سياط الشرطة أن ألجأ الى بلد آخر. وتذكرت كوريا الشمالية، وتذكرت الزعيم مصطفى كامل وقلت: لو لم أكن عربيا لتمنيت أن أكون كوريا!