الخميس 19 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 20 فبراير 2003 المتتبع للنشاط الدبلوماسي هذه الايام بين الجزائر وباريس يلاحظ نشاطاً مكثفاً على مختلف الاصعدة كما يلاحظ الزيارات المتبادلة بين المسئولين الجزائريين ونظرائهم الفرنسيين. وآخر هذه التحركات تلك الزيارة التي قام بها الرئيس بوتفليقة الى فرنسا تمهيداً وتحضيراً لزيارة الرئيس الفرنسي جاك شيراك الى الجزائر في شهر مارس المقبل.. للتذكير الرئيس شيراك زار الجزائر في نوفمبر 2001 لمواساتها في ضحايا فيضانات منطقة باب الواد، وقبل ذلك سبقه الى فرنسا الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة في زيارة رسمية. هل سيستطيع كل من الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة والرئيس الفرنسي جاك شيراك اذابة الجليد الذي ميز العلاقات الجزائرية الفرنسية لأكثر من اربعة عقود؟ هل هي انطلاقة جديدة في العلاقات الجزائرية الفرنسية؟ وهل هبت رياح التجديد على العلاقات بين البلدين؟ وهل ان الفرصة قد جاءت لتفعيل العلاقات بين البلدين واعادتها الى مكانتها الطبيعية؟ وهل استيقظت اخيراً فرنسا من سباتها وادركت اخطاءها في تعاملها مع بلد بحجم الجزائر الجيواستراتيجي؟ زيارة الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة الاخيرة لفرنسا لها اكثر من دلالة واكثر من عبرة في وقت كانت فيه كل من فرنسا والجزائر تبحثان على حد قول الفرنسيين على «اعادة تأسيس» العلاقات بين البلدين. الطرفان توصلا من خلال المحادثات الاخيرة التي جرت بين الرئيس الجزائري والرئيس الفرنسي واطراف فرنسية عديدة الى عدة اتفاقات من شأنها ان تزيل وتقضي على كل اسباب الفتور والتعثر التي طبعت العلاقات بين باريس والجزائر خاصة في عهد الاشتراكيين كما اعترف الطرفان بأن الظروف الحالية مواتية للمضي قدوماً في تفعيل العلاقات الثنائية وحسب الطرف الفرنسي الموضوع اذ يتعلق بـ «اعادة تأسيس» العلاقات بين البلدين وان الجزائر حسب المسئولين الفرنسيين تعتبر «حليفاً استراتيجياً مهماً لفرنسا». علاقات متوترة تميزت العلاقات الجزائرية الفرنسية على مر السنين بالتأرجح بين التعثر والتوتر والبرودة تارة والجيدة والوطيدة تارة اخرى حسب الظروف والمعطيات وهذا على عكس ما عودتنا عليه علاقة المستعمر (كسر الميم) بالمستعمر (فتح الميم). فالمتتبع لعلاقة الجزائر بفرنسا منذ استقلالها الى يومنا يلاحظ المد والجزر في مناخ وطبيعة تلك العلاقة. فالجزائر بعد استقلالها مباشرة توجهت بسياستها الاشتراكية نحو الكتلة الشرقية وهمشت الى حد كبير علاقاتها مع فرنسا، وفي عهد الرئيس الراحل هواري بومدين ورغم القرب الاستراتيجي للبلدين ورغم المصالح المشتركة والتكامل الاقتصادي ووجود جالية جزائرية معتبرة في فرنسا وجالية فرنسية في الجزائر رغم كل هذا لم ترق العلاقات الى المستوى التي تستحقه.. ففرنسا كانت تريد معاملة الجزائر بالسياسة «الابوية» وسياسة «الوصاية» و«الحماية» والجزائر كانت غيورة جداً على استقلالها وعزتها وكرامتها، والشيء الذي وجدته فرنسا في معظم مستعمراتها الافريقية وفي بعض دول المنطقة لم تجده في ارض المليون ونصف المليون شهيد وربما هذا العدد من ضحايا فاتورة الحرب الضروس بين الجزائريين والفرنسيين هو من أهم الأسباب التي ألقت بظلالها على برودة العلاقة بين البلدين لأكثر من أربعة عقود. وواصلت قمة ازمة العلاقات بين الجزائر وفرنسا عندما قرر الرئيس الجزائري الراحل المرحوم هواري بومدين تأميم قطاع المحروقات الشيء الذي لم يكن الفرنسيون ينتظرونه على الاطلاق كما كانوا يشككون في قدرات الجزائرين في تسيير وإدارة شئون البترول والغاز بأنفسهم وبدون مساعدة الفرنسيين، الامر الذي حدث في ارض الواقع حيث استعان بومديين بالمساعدات المادية والفنية السوفييتية آنذاك وباغت أعداءه بكل لباقة. رؤية جديدة للجزائر رئيس جديد في الجزائر برؤية براغماتية جديدة تتماشى مع متطلبات عصر العولمة وثورة المعلومات والانترنت ورئيس فرنسي بعد تخلصه من الاشتراكيين يحاول استدراك الوقت الذي ضيعه والوقوف امام الزحف الاميركي في القارة السمراء هذه هي المعطيات الجديدة التي تميز العلاقات الجزائرية الفرنسية في الألفية الثالثة. كيف ستكون هذه العلاقات؟ وما الذي يميزها؟ ولماذا لم تول فرنسا اي اهتمام للازمة الجزائرية خلال عشر سنوات كاملة بل في الكثير من الأحيان كانت تسهم في تعقد الازمة وكانت تعلب ورقة الجماعات الاسلامية والجماعات الارهابية؟ لماذا شددت فرنسا منح التأشيرات للجزائريين لدخول أراضيها؟ لماذا أغلقت قنصلياتها؟ لماذا فرضت «حصارا جويا» على الجزائر واقنعت معظم الدول الاوروبية على مقاطعة المطارات الجزائرية؟ في الحقيقة وقفت فرنسا موقف المتفرج من الازمة الجزائرية وموقف اللامبالاة في الوقت الذي كان الجزائريون ينتظرون مساعدة الفرنسيين لهم. فخلال حكم الاشتراكيين وعلى رأسهم جوسبان وصلت العلاقات الفرنسية الجزائرية الى مستوى تميز بالتوتر والبرودة. لعبت فرنسا عند بداية الازمة الجزائرية في سنة 1991 ورقة الجبهة الاسلامية للانقاذ مثلها في حقيقة الامر مثل الولايات المتحدة الاميركية والمانيا وبريطانيا وغيرها من الدول الاوروبية ايمانا منها ان الجبهة ستصل الى سدة الحكم والتقرب منها في هذه الفترة بالذات سيفتح الباب على مصراعيه للمصالح الفرنسية والشركات الفرنسية في الجزائر وكانت فرنسا تؤمن والى وقت قريب ان النظام في الجزائر سيسقط وان الجمهورية الاسلامية ستفرض نفسها لا محال ولذلك لعبت فرنسا كل ما بوسعها اعلاميا ودبلوماسيا لتكرس هذه الفكرة واتبعت سياسية تضييق الخناق من خلالها على النظام الجزائري وتعطي الافضلية الى الجبهة الاسلامية للانقاذ من خلال التغني بحقوق الانسان وحرية الصحافة وحرية التعبير وحرية الرأي. وفي سياق سياسة تقزيم النظام الجزائري قامت الحكومة الفرنسية بإيقاف كل رحلاتها الجوية المتوجهة الى الجزائر بداعي الأمن وهذا عقب اختطاف طائرة تابعة للخطوط الجوية الفرنسية كان الارهابيون يخططون لتفجيرها فوق سماء باريس. وهكذا ساهمت فرنسا بفرض حصار جوي غير معلن على الجزائر حيث انها ذهبت الى اكثر من ذلك واقنعت معظم الدول الاوروبية التي تسيّر رحلات جوية الى الجزائر على ايقافها. هل كان الامر يتطلب كل هذه التخوفات والتحفظات؟ ام ان الامر هو سياسي بالدرجة الأولى ولا علاقة له بالأمن؟ ونلاحظ هنا ان فرنسا واصلت سياستها الانتقامية من الجزائر في ظروفها الصعبة واغلقت قنصلياتها ومراكزها الثقافية. تداعيات 11 سبتمبر بعد احداث 11 سبتمبر وفوز اليمين بالانتخابات الرئاسية وبالاغلبية في البرلمان بدأت فرنسا تفكر في اعادة النظر في سياستها ازاء الجزائر في الالفية الثالثة وضرورة اعادة ترتيب الاوراق خاصة وان الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا والمانيا قد اقتنعوا بأنه لا مستقبل للجماعات المتطرفة في الجزائر ولا مستقبل للافغان سواء في الجزائر أو في غيرها من الدول. فبمجيء بوتفليقة الى سدة الحكم اقتنعت فرنسا انها تتعامل مع رئيس وتتعامل مع دولة لها وزنها اقليمياً وقارياً ودولياً، الامر الذي جعلها تراجع نظرتها الى الجزائر وان تعيد تقييم الوضع بكامله وان تضع استراتيجية جديدة في معاملتها للجزائر حيث ان الامور تغيرت بسرعة وفجأة وان الرئيس الجديد اعاد القطار الى سكته واذا لم تسرع فرنسا في تدارك الامور مع الجزائر فقد يسبقها لذلك الاسبان والايطاليون وخاصة الاميركان. هكذا اذا جاء العهد الجديد في العلاقات الجزائرية الفرنسية التي اتسمت بالسلبية والتهميش لقرابة اربعة عقود، عانت من خلاله الجزائر الكثير حيث الارهاب وعدم استتباب الامن والاستقرار داخليا وعزلة تعتبر شبه تامة خارجياً وبطالة تفوق 30% واقتصاد يعاني الكثير من المشاكل. الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة فهم المشكلة جيداً واقتنع ان الجزائر بحاجة الى اعادة الاعتبار والسمعة والمكانة التي كانت تتمتع بها في السبعينيات، اقتنع انه بحاجة الى استراتيجية جديدة في العلاقات العامة الدولية وفي الدبلوماسية وانه بحاجة لاستراتيجية جديدة لترتيب بيته داخلياً وخارجياً وفق معطيات العولمة والتطورات المختلفة التي يشهدها العالم هذه الايام. ادرك بوتفليقة وشيراك انه حان وقت التطبيع ووقت المصالحة بين البلدين وسارعا لاستدراك الوقت الذي اضاعاه البلدان منذ استقلال الجزائر سنة 1962 فبعد زيارة عدد من الوزراء والمسئولين من كلا البلدين لباريس والجزائر ستأتي زيارة الرئيس الفرنسي جاك شيراك في مارس المقبل للجزائر لتفعيل العلاقات في مختلف مجالاتها وأبعادها والقضاء على كل الاسباب التي من شأنها ان تعيقها وتعرقلها. حاجة متبادلة وهكذا نلاحظ ان العلاقات الجزائرية الفرنسية مقبلة على دخول شهر العسل واستدراك كل ما ضاع خلال اربعة عقود من الزمن بسب تعنت الطرفين والخطأ في التقديرات الفرنسية لما يجري في الجزائر وفي التطورات السريعة والمحددة التي شهدتها المنطقة وشهدها العالم بأسره في السنوات الاخيرة. الجزائر بحاجة الى فرنسا وخاصة استثماراتها في مختلف المجالات، الاستثمارات التي تخلق فرص العمل للشباب الجزائر والعاطل وفرنسا لا تستطيع الاستغناء عن الجزائري بحكم الجالية الجزائرية التي تعيش في فرنسا ـ اكثر من 3 ملايين نسمة ـ وبحكم التاريخ والثقافة واللغة والمصالح المشتركة والقرب الجغرافي. من جهة اخرى تخشى فرنسا خسارة الجزائر لصالح دول اخرى مثل الولايات المتحدة الاميركية واسبانيا وايطاليا الامر الذي يقلقها والجزائر على بعد ساعة من مرسيليا هل سنشاهد تطبيعا في العلاقات الجزائرية الفرنسية وهل سيقبل البلدان على سياسة براغماتية عملية نفعية؟! حسب المصادر الدبلوماسية في كل من فرنسا والجزائر تكون زيارة شيراك الى الجزائر في شهر مارس المقبل محطة مهمة في استراتيجية فرنسية جديدة في منطقة المغرب العربي وخاصة الجزائر التي تمثل محوراً استراتيجياً على الصعيد المغاربي والعربي والافريقي، اكد الرئيس الفرنسي جاك شيراك في تصريحاته الاخيرة على نية فرنسا في مساعدة الجزائر وفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين وتدعيم الحوار الاورومتوسطي. كما وعد شيراك بمساعدة الجزائر فيما يتعلق بديونها خاصة وهي تترأس نادي باريس، بين الاقوال والافعال مسافات، هل ستكون طويلة أم قصيرة؟ وهل ستقترن اقوال المسئولين الجزائريين والفرنسيين بالافعال؟ هذا ما ستجيب عليه الايام والشهور والسنوات المقبلة. يبقى ان نقول ان شيئاً جديداً حدث وسيحدث في العلاقات الجزائرية الفرنسية وان زيارة بوتفليقة الى باريس قد اعادت الحسابات والاعتبارات والمسلمات الفرنسية في تعاملها مع الجزائر وان معادلة العلاقات بين البلدين ستشهد تطوراً وتغيرا يعودان بالفائدة على البلدين. كما ان زيارة شيراك في مارس المقبل للجزائر ستكون بمثابة المصالحة التاريخية والتطبيع بين البلدين. ـ كلية الاتصال ـ جامعة الشارقة