الخميس 19 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 20 فبراير 2003 هدير المظاهرات بالملايين تتردد أصداؤه في جنبات قارات العالم.. شهد يوما السبت والاحد من منتصف شهر فبراير الحالي حشودا جماهيرية غير مسبوقة في التاريخ الحديث تعلن بأشكال شتى عن رفضها حرب أميركا المزمع شنها على العراق عراق الشعب ـ وعراق الوطن ـ وعراق الناس ـ وليس عراق الحاكم ـ أو النظام بحال من الأحوال هذه المظاهرات الجماهيرية بلغت من الكثافة والانتشار الحد الذي أطلقت فيه هيئة الاذاعة البريطانية تعبيرا بليغا في لغة الاعلام المعاصر قالت فيه: - كل مكان على ظهر الكرة الأرضية طلعت عليه الشمس شهد مظاهرات وحشودا خرجت لتقول «لا للحرب والدمار، مع مراعاة فروق التوقيت». قالت كوندوليزا ومن عجب أن هذه المظاهرات وهذه الحشود الشعبية التي عبرت عن آرائها بكل اللغات، وبالذات داخل الشوارع الأميركية ذاتها، لم تحل بين الاستاذة كوندوليزرايس، مستشارة الأمن القومي في البيت الأبيض وبين أن تسدر في اعلانها العزم على مواصلة قرار الحرب على أساس ان فترة التقاط الانفاس الدبلوماسية قد أوشكت في رأيها، على النفاد. تواكب هذا كله مع دعوات من قارات مختلفة (ليس من بينها أميركا على أي حال) لعقد مؤتمرات قمة تقصد الى بذل جهود للحيلولة دون وقوع الحرب التي يخشى أن يمتد شررها المتطاير أو يتسع لهيبها المندلع من موقع العراق الى سائر منطقة الشرق الأوسط. قمم وقارات في هذا الاطار ارتفعت الدعوة الى قمة عدم الانحياز والى قمة فرنسية - افريقية ثم الى قمة عربية مازالت ملابسات التئامها تمضي على استحياء شديد.. للاسف.. الشديد أيضا! وسط هذا كله.. قد يعنينا ان نبتعد ولو قليلا عن هدير المظاهرات وايقاع التصريحات وقعقعة التهديدات لكي نطرح سؤالا يبدو بديهيا ويقول ببساطة: - ماهو الهدف الذي تسعى اليه الادارة الأميركية على وجه التحديد؟ رأى كاتب أميركي كبير ثمة كاتب أميركي كبير هو أنتوني لويس طرح هذا السؤال بصورة نراها أكثر انضباطا أو أشد تدقيقا. الأستاذ لويس تقاعد مؤخرا عن كتابة عموده الاسبوعي الشهير في نيويورك تايمز ولكنه مابرح يطرح أفكارا ناضجة وعميقة وموضوعية في مجملها من موقع تقاعده في «بوسطون» عاصمة الثقافة في الولايات المتحدة.. ومن ثم يجوز لنا أن نقول أن الرجل تحول من صحفي الى مفكر له مصداقيته بحكم خبرته الطويلة لأكثر من جيل كامل في عالم السياسة والصحافة على سواء. طرح لويس السؤال قائلا: - ماهو الهدف النهائي للرئيس جورج دبليو بوش في العراق؟ جاء السؤال ضمن مقالة افتتاحية مهمة نشرها الكاتب الأميركي الكبير بعنوان «بوش والعراق» (مجلة «نيويورك ريفيو أوف بوكس» المعنية بشئون الكتب الصادرة). تساؤلات سقراطية وجاء السؤال بدوره ضمن مجموعة من التساؤلات المشروعة أو المطروحة على طريقة الفيلسوف اليوناني سقراط - اسئلة تثير التفكير في جوانب القضايا الخطيرة التي باتت تتشكل أمام أعيننا ومن قبيل: - هل يقصد بوش الى التأكيد على أن صدام لا يملك أسلحة للدمار الشامل؟ - أو يقصد بوش إلى خلع صدام - بالقوة - من موقع الحكم في بغداد ومن ثم الى اعادة «تصنيع» البنية السياسية في العراق؟ وإذا كان هذا هو الهدف - يضيف انتوني لويس - فهل هذه هي الخطوة الأولى نحو نزعة امبريالية (سلوك استعماري) تقصد أميركا الى انتهاجه؟ تناقضات واشنطن كان لابد أن تتعدد اجابات تلك الاسئلة، عندنا وعند السيد لويس لأن سلوكيات الإدارة الأميركية مابرحت تترك مجالا، بل أكثر من مجال لتعدد الاجابات ولدرجة التخبط أو التناقض في بعض الأحيان. وقد نبادر الى التحذير - من باب الاحتراز البحثي - من أن هذا التناقض ظاهري بل وربما كان هذا التخبط متعمدا أو مقصودا ليؤدي وظيفة ستارة الدخان التي تستر النوايا وليحقق أهدافا محورية تقصدها الادارة الاميركية - أهدافا من قبيل: ــ تكرار التصريحات - بنغمات شتى - بما ترسم معه صورة متعددة الجوانب في ذهنية المواطن الاميركي العادي - الناخب الاميركي حتى لا ننسى - وهو مناط استطلاعات الرأى العام تأييدا لرئيس الدولة أو معارضة له. ــ اطلاق هذه التصريحات وفيها مايهدد بالويل والثبور لتؤدي غرض الردع أو التخويف الى حد الترويع وهو غرض مزدوج بمعنى ترويع الجمهور المحلي في أميركا بتكرار الحديث عن خطر أسلحة صدام وبتكريس شخصية الرئيس العراقي بوصفه العدو رقم واحد الذي يهدد أمن أميركا وسلامة شعبها ومن ثم فهو «المشجب» الذي تعمد دوائر الحكم الاميركية إلى أن تعلق على شماعته سوء الادارة الاقتصادية التي خلفت بطالة متفشية وانكماشا اقتصاديا قد يودي بالاقتصاد الأميركي الى مرحلة الركود أو إلى حافة الكساد ولا سيما وسط اجواء اللا يقين كما يقول المصطلح السياسي - الاقتصادي الشهير - وتلك حالة من الترقب وانعدام الثقة وغياب المصداقية حذر منها مؤخرا السيد غرينسبان رئيس هيئة الاحتياطي الفيدرالي (المصرف المركزي) في الولايات المتحدة وهو - كما تعلم - الرجل الذي يضع أصبعه على نبض وإيقاع الاقتصاد الأميركي. وإذن فهناك التخويف الداخلي للناس في أميركا كي تستقر في وجدانهم صورة خطر محدق بهم، متربص بأقدارهم.. يتحين فرص الانقضاض على مرافق حياتهم.. وهو خطر يجسده كما تقول الميديا الأميركية الموالية للإدارة الحاكمة في واشنطن رجل أسمه صدام حسين أن الناس عندما يتشككون وعندما يركنون ولو الى قدر من الهدوء.. فهو انما يشرعون في طرح الاسئلة وطلب الاجابات ويبدو أن هذا ليس مطلوبا في المرحلة الحالية بالنسبة لأركان النظام الحاكم حاليا في الولايات المتحدة. بالاقتران مع التخويف الداخلي الذي ألمحنا اليه.. هناك الطرف الآخر من معادلة الترويع المزدوج وهو تصدير هذا الترويع الى الخارج.. الى العراق على وجه الخصوص.. والمعنى في هذا السياق هو ان التصريحات المتلاحقة، والتهديدات المتنوعة الإيقاع يقصد بها شن حملات الحرب النفسية على أركان نظام بغداد ومن منطلق مقولة مفكر الاستراتيجية الألماني الأشهر كلاوزفيتز وقد احلنا اليه في أحدايث سابقة، بأن الحرب هي امتداد للدبلوماسية (بمعنى السياسة - الاعلامية) ولكن بأساليب أخرى. الحرب بغير رصاص وفي ضوء مقولة البارون الألماني القديم.. يمكن القول ان حرب أميركا في العراق قد بدأت قبل اطلاق الرصاصة الأولى: بدأت بحملات اعلانية مكثفة معادية لبغداد وبدأت بنشر واسع النطاق حول أخبار الحشود العسكرية التي تجمعت بالفعل في منطقة الخليج دون الاقليمية، برا وبحرا على السواء. وبدأت بتكثيف وتوسيع الطلعات الجوية الأميركية والبريطانية في مناطق حظر الطيران وخاصة الى جنوب العراق وبدأت بتصريحات رامسفيلد التي بلغت حد السخرية الهازئة حتى من أركان حلف الناتو - فرنسا وألمانيا بالذات (ومعهما بلجيكا) وقد وصفهم وزير الحرب الأميركي بأنهم أوروبا القديمة بمعنى التآكل والبلى وليس بمعنى الأصالة والتراث التليد بطبيعة الحال. وارتبط بذلك تحولات لا يملك المراقب السياسي سوى أن يرصدها وقد اعترت كولن باول وزير الخارجية الاميركية الذي عهدوا اليه - والله أعلم بقناعاته - بمهمات تتمثل في التدليل على انحراف العراق - في رأى واشنطن - عن جادة الاعراف الدولية وتتمثل في مواجهة وزراء خارجية أعضاء مجلس الأمن الذين يدعون الى تحكيم القول والمنطق قبل الضغط على زناد الحرب أو فلنقل قبل أن يعمد رامسفيلد ومساعده ولفوفتز في البنتاجون الى اقناع الرئيس بوش كي يمد يده ليفتح صندوق «باندورا» الذي قالت اساطير الأولين انه يضم كل الشرور والخبائث التي لو انطلقت من محبسها لأصابت البشرية بكل داء وبيل وفتاك. تحولات السيد باول لقد بدأ وزير خارجية أميركا اطلالته على حكاية حرب الارهاب وخطر الارهاب حين اعترف امام المحافل الأوروبية في خريف عام 2001 قائلا: - أيها السادة. صحيح نحن ندين ونحارب الارهاب الذي تسبب لنا في كارثة 11 سبتمبر وندعو كل حلفائنا وأصدقائنا في العالم الى مشاركتنا في الحرب ضد الارهاب.. لكننا بصراحة - يضيف كولن باول - لا نملك حتى الآن دليلا لتحديد الاتهام يمكن أن نقدمه في محكمة تقضي بسيادة القانون. تحولات عديدة أوصلت وزير خارجية أميركا من هذا الاعتراف الموضوعي.. ومن موقفه المتزن بوصفه قطبا للاعتدال يوازن تطرف أو اندفاعات زملائه من صقور الادارة الاميركية.. الى حيث ادرك الرجل فيما يبدو - أن بقاءه في موقع الدبلوماسي الأول في بلاده - مرهون أو ربما يكون مرهونا باتخاذه مواقف متطرفة أو متزمتة أو متشددة عبرت عنها تصريحاته الأخيرة في اجتماعات مجلس الأمن وخارجها وقد بلغت به صرامة التشدد، غير المعهودة فيه الحد الذي دعا المحللين الانجليز يلمحون الى انه أقرب الى طبعة ولو مغايرة من زميله دونالد رامسفيلد. الأمم المتحدة ونظام بغداد ان الكاتب انتوني لويس يلفت النظر الى تخبط الادارة الاميركية بين أهداف شتى ترمي الى تحقيقها في العراق. يوقف من ناحية عند تصريحات للرئيس بوش التي أكد فيها أن أميركا سوف تتبع طريق الأمم المتحدة وتتعاون مع المنظمة الدولية من أجل نزع أسلحة العراق (كان ذلك بناء على جهود مضنية بذلها وزير الخارجية باول وتحدى فيها - على مايبدو - آراء دونالد رامسفيلد وريتشارد بيرل وبول ولفوفيتز وغيرهم من غلاة المتشددين في الإدارة الأميركية على نحو ما أوضحه الصحفي الأميركي الشهير بوب ودوارد في كتابه «بوش يخوض الحرب» الذي قدمت «البيان» عرضا تحليلياً وافيا لفصوله الاثنين والعشرين. في نفس السياق - بل في نفس اليوم- طلع على الناس السيد آريه فلايتشر الناطق باسم البيت الرئاسي الأبيض بهدف آخر مغاير تماما لهدف نزع سلاح العراق.. وكان الهدف هو بغير مواربة: - الإطاحة بنظام السيد صدام حسين وفي هذا الصدد أعلن السيد فلايتشر قائلا. - إن سياسة أميركا هي تغيير النظام (العراقي) ولسوف يبقى ذلك هدفا مستمرا. كان ذلك على وجه التحديد يوم الأول من أكتوبر الماضي.. ولسنا نذكر هل توقف المحللون والمراقبون مليا عند منطوق وفحوى تصريحات رجل الاعلام الأول والمسئول في ادارة الرئيس جورج دبليو بوش حين تحدث عن غزو العراق بوصفه تذكرة ذهاب فقط فقال بصراحة قاطعة.. بل نقول صراحة جارحة: - إن تكاليف تذكرة ذهاب فقط أقل بكثير من تكاليف الغزو.. أنها تكلفة رصاصة واحدة في حالة ماقرر أفراد الشعب العراقي أن يتولوا الأمر بأنفسهم. وطبعا كان في تلك التصريحات - كما يذكر الكاتب الأميركي لويس - ايحاء (أو هو تحريض) على قتل الحاكم العراقي في غمار انقلاب. هناك أيضا تصريحات أخرى من جانب الرئيس بوش نفسه من شأنها أن تزيد الأمر تناقضا وارتباكا تصريحات أعلن فيها بوش أن سياسات الحرب الباردة ثبت فشلها سواء في مجال الردع أو الاحتواء وأكد بوش قائلا: - ومن ثم علينا أن ننقل المعركة الى حيث العدو وأن ندمر خططه وأن نتصدى لأسوأ التهديدات قبل أن تحل بنا. وكان هذا في خطاب «وست بوينت» كلية الحرب الاميركية في يونيو الماضي وفي هذا الخطاب أعلن الرئيس الأميركي لأول مرة سياسة المبادرة الى الضرب واشعال الحرب من جانب أميركا منفردة (دون تحالف أو تعاون من أحد عند اللزوم - تلك هي سياسة الضربة الاستباقية أو الضربة الاجهاضية التي بدأ المراقبون يعرفونها على انها «مذهب بوش» أو «مبدأ بوش»). وثيقة الأمن القومي وبالمناسبة فهذا المبدأ أو المذهب تم تكريسه في احدى الوثائق المهمة للغاية التي أصدرتها الإدارة الأميركية يوم 20/9/,2002. وهي المذكرة الصادرة بعنوان له دلالته البالغة وهو: ـ استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة. واللافت للنظر أن هذه الوثيقة ومادعت إليه من الأخذ بحكاية الضربات الاجهاضية أو الاستباقية كانت مثار العديد من تعليقات أركان العمل السياسي الأميركي وفي هذا السياق ينبه السناتور الديمقراطي الشهير أدوارد كيندي الى أن ثمة فرقا جذريا بل وتمييزا ظل قائما على مر التاريخ بين الحرب الاجهاضية - الاستباقية من حيث هي هجوم مسلح على عدو معروف بأنه على وشك شن الهجوم وبين الحرب الوقائية التي يتم شنها حين يتعذر التأكد من توقيت أو احتمال توجيه ضربة من جانب العدو. الوعود.. والوعيد ومازالت العجلة تدور.. مازالت آلة السياسة والحكم في أميركا تنتج تصريحات ورؤى ووعودا بقدر ما تنتج أكثر من تهديد وأكثر من وعيد.. ربما كانت أخطر الرؤى هي تلك التي يصدر عنها نائب وزير الحرب، السيد ولفوفتز.. وقد صاغها الصحفي الأميركي بيل كيللر (نيويورك تايمز ماجازين، عدد 22/9/2002) وهو تحقيق يصور نائب الوزير الأميركي رجلا متفائلا بأن استخدام قوة أميركا بل جبروتها العسكري في العراق كفيل بأن يحقق لشعبه بناء الديمقراطية المرتجى بل هو كفيل بأن يسحب رداء الديمقراطية الجميل ليشمل منطقة الشرق الأوسط بأسرها. على هذه الرؤية يعلن انتوني لويس في عبارات محددة يقول فيها: - ها نحن في مجال العراق نصادف ماحدث من قبل في فيتنام حيث وقعت اخطاء بغير حصر.. فالعراق بلد كبير وحديث ومتمدن الى حد بعيد. ولو قصفناه ودمرناه فهل سنكون من الحكمة لدرجة أن نلم اشلاءه من جديد.. وهل استطاع مستر ولفوفتز ورفاقه من محاربي الشمس المشرقة ان يحسبوا تأثيرات حرب أميركية على مشاعر العرب وغيرهم من المسلمين؟ ثم ماذا يعقب صدام باعتبار أن طبيعة الحكم فيما بعد صدام أمر جوهري بالنسبة لكل من ايران وتركيا وسوريا وغيرها. ويختم انتوني لويس وقد أصبح من حكماء الصحافة الأميركية تعليقه قائلا: المشكلة هي أن إدارة الرئيس بوش لم تبد حتى الآن مايوضح أن لديها جوابا شافيا لمثل هذه التساؤلات. ـ كاتب سياسي من مصر