الخميس 19 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 20 فبراير 2003 عشرة ملايين متظاهر في 650 مدينة وبلدة بينها 250 مدينة وبلدة في الولايات المتحدة انطلقوا السبت الماضي يعلنون رفضهم القاطع لشن الحرب ضد العراق. ونحن هنا نندب حالنا ونشكو تراجع ادوارنا الشعبية التي اصبحت تحاكي المواقف الرسمية ضعفا وقلة فاعلية لتصبح المحصلة النهائية لشتى المواقف المعلنة باهتة ولا تعبر عن مواقف مسئولة ازاء الازمة العراقية التي دخلت في النفق المسدود. غير ان الوقوف امام الاحداث الظاهرة على السطح لن يغير في الواقع شيئاً، كما ان الاكتفاء به دونا عن اكتشاف العوامل التي ادت الى هذا الواقع غير المرضي لن يصب في مصلحة قضايانا على المدى الطويل. حيث ان ثمة عوامل متشابكة افرزت هذه السلبية المتنامية، وخلقت هذه الاجواء غير الصحوة التي تستنفر مشاعر الغضب العارم لدى الغيورين على مستقبل هذه المنطقة. من بين العوامل التي ساهمت في الوصول الى هذه الهلامية في مواقف الشعوب التنشئة الاسرية القاصرة التي صدرت من قبل كثير من الآباء في حق الابناء في سنوات الطفولة الاولى، وادت الى تكوين الشخصية الانسحابية التي نرفضها اليوم، وننعتها بأقسى النعوت. لقد تسببت التربية على الطاعة العمياء في تكوين قناعة مبكرة وشبه مطلقة لدى الفرد بأن المخالفة والتباين في الآراء سيؤديان الى مشاكل لا مسوغ لها، وبالتالي فان الوصفة السحرية لضمان راحة البال هي في تصنع الاقتناع حتى لو لم تكن هناك قناعة داخلية بما يرى المرء ويسمع. وفي سبيل تعزيز هذه المفاهيم القاصرة في ذهن الناشيء استخدمت الامثلة الشعبية اسوأ استخدام ووظفت في سبيل تدعيم الموقف الابوي المصر على ان التجربة الطويلة للآباء في ميدان الحياة من شأنها ان تمنح آراءهم الصواب المطلق، وتضع افكارهم في منزلة فوق النقد، الامر الذي ضيع على الابناء الفرصة في تعلم اساليب الحوار الايجابي وحرمهم من ممارسة حقهم في تكوين القناعات عبر النقاش وتوجيه السؤال بعيداً عن الاملاء والتلقين المباشر. واصبح المثل الشهير «الاكبر منك بيوم افهم منك بعام» واحداً من الاسلحة المعلوماتية التي تستخدم في برمجة عقل الناشيء ليروض عقله حسبما شاء الآباء، ويتكيف نفسياً وذهنيا مع التعاليم الصادرة من الابوين دون ان يقوم بأدنى جهد عقلي لاكتشاف مدى الصحة من الخطأ في سيل المعلومات والافكار والاراء التي تلقى على مسامعه صباح مساء!! ومن المؤسف ان العصمة التي ادعاها الكبار لارائهم لم تكن عصمة حقيقية، وان الحصانة التي تخيلوها لوسائلهم التربوية اثبتت عدم صلاحيتها لانجاز اهداف التربية الشاملة التي ترفض التلقين وتنادي بالحرية في النقاش وابداء الرأي، التي ترفع شعار تكوين القناعات كأولوية في بناء عقل الانسان، التي تنادي بأن الطفل والمراهق من حقهما ان يثيرا من الاسئلة ما يشاءان وان يمنحا الفرصة الكافية لممارسة حقهما الطبيعي في التعبير عن الرأي والحصول على اجابات شافية لشتى الاسئلة التي تدور في اذهانهما. ان اخطر انواع الوصاية هي الوصاية العقلية التي تمارس ضد الابناء، وأبشع انواع المصادرة ان يصادر الرأي الآخر داخل المنزل، وأسوأ ما يمكن القبول به ان يظن ان الطفل الصامت هو مثال الشخصية الطفولية المنشودة. كلا.. ليس هذا الفهم الا دليلا على حاجة اولياء الامور الى تكوين قاعدة مفاهيم اخرى تقلب الميزان المائل وتعيد للحرية المفقودة في انحاء المنزل مكانتها اللائقة. وهذه التجارب الانسانية تشهد ان التربية المبكرة على ممارسة التفكير المنظم والقائم على اسس علمية صحيحة، والانفتاح المدروس على الافكار والاتجاهات وتعزيز القدرات الحوارية، وتعويد الناشيء على الشجاعة الادبية، وتنمية ملكاته الفطرية في التحليل وربط الاسباب بالمسببات هي الوسائل القادرة على تحقيق التوازن في شخصية الطفل. إن اول درس عملي يتلقاه المرء في المشاركة الاجتماعية يأتي من داخل البيوت لا من خارجها، وافضل بيئة يتدرب فيها الانسان على ممارسة طقوس حرية التعبير بصورة حضارية تجلب له احترام الآخرين، وتجعله احد صناع الحدث، هي البيئة الاسرية الصحوة التي تحرض الفرد على ان يكون له رأيه الخاص وشخصيته المستقلة. تلك التي لا ترضى ان يكون إمعة بل احد رموز التغيير الايجابي في مجتمعه وأمته.