الخميس 19 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 20 فبراير 2003 يبدو ان عصر الزعامات السياسية قد بدأ يولي، وان الزعماء السياسيين الذين كان لهم في عصور مضت «شنة ورنة» قد «راحت عليهم» ولم تعد لهم ـ مهما أنجزوا ـ تلك الشعبية «الكارزمية» التي كانت لهم يوما من الايام، حتى الجهود المكثفة اعلاميا التي يبذلها هذا النظام او ذاك للحفاظ على هذه الشعبية «او محاولة خلقها خلقاً» لم تفلح في الابقاء على شعبية القيادات الحاكمة او المعارضة على حد سواء..! انقراض الزعامات التقليدية للزعماء والحكام والسياسيين عامة لم يأت من فراغ.. بل كانوا هم انفسهم اصحاب الفضل الاول في ذلك، بعد ان اصبحوا صوراً مشوهة ومستنسخة من زعماء سابقين وحقيقيين، وبعد ان اصبحت سيرتهم وتصرفاتهم ومواقفهم وتصريحاتهم اسطوانة مشروخة تكرر نفسها تماما كالأفلام القديمة التي تعرض عشرات ومئات.. بل وآلاف المرات على الشاشات الفضائية حتى ملها الناس كما ملوا زعمائهم الذين ورثوا القاب وكراسي الزعامة دون ان يكونوا ورثة شرعيين..! وكان من الطبيعي بعد هذه النكسة الزعامية ان يبحث الناس عن زعامات بديلة تطفيء عطشهم لأي زعامة يلتفون حولها، وكان من الطبيعي ايضاً ان ينقرض عصر الزعامات السياسية ليحل محله عصر زعامات اخرى، وشيئاً فشيئاً طغت الزعامات الفنية على السياسية وحلت محلها واستقطبت الجماهير في الشارع العربي، وانتقل الولاء للفنان فلان بدلا من الزعيم علان، وبايعت الجماهير المطربة فلانة معلنة بأعلى صوتها «بالروح.. بالدم.. نفديك يا مطربة الليالي والافراح».. بعد ان ملت وسئمت من ترديد هذا الهتاف باسم هذا الزعيم او ذاك، وكان من الطبيعي اخيراً ان ترتفع رايات الزعيم كاظم الساهر.. والزعيمة نوال الزغبي.. والقائد مصطفى قمر.. والبطل عمرو دياب.. ملهمة الشعب سميرة سعيد.. واخيراً وليس آخراً.. الزعيم الشعبي شعبان عبد الرحيم..! عشرات بل ومئات الزعماء من المطربين والمطربات انتهزوا فرصة «الزيطة» السياسية.. واستثمروا الفراغ الناشيء عن تدني شعبية زعماء السياسة والحكم، فنصبوا انفسهم زعماء وقادة على الساحة الاعلامية كبديل اخف دما واقل ضررا واكثر قبولا من الزعامات المحنطة التي لا تريد ان ترحم ولا ان تترك الخلق لرحمة الله..، وكان منطقياً ان تبتعد الجماهير عن زعيم لا يخجل من التعبير بصورة او بأخرى عن احترامه وحبه لإسرائيل، لتلتف حول زعيم جديد يعلن عن شعار سياسته قائلا «انا باكره اسرائيل»..! الزعماء الجدد تقمصوا بسرعة نماذج الزعامات العربية البائدة، صورهم وتحركاتهم وتصريحاتهم فرضت نفسها على الاعلام الصحفي بشكل عام.. وعلى الاعلام الفضائي على وجه الخصوص، حتى الخلافات الزعامية العربية العربية انتقلت الى الزعامات الفنية، وان كانت اخف وطأة واكثر امانا من خلافات زعماء تحت يد كل منهم جيوش واسلحة يستطيع بها ان يحسم اي خلاف بصرف النظر عن النتائج، اما خلافات الزعامات الفنية فتحسمها عادة سهرات و«قعدات» تنتهي بأحضان وقبلات قد تصفو معها القلوب، وقد تكون من باب المجاملات ويبقى «اللي في القلب في القلب»..! الاعلام ـ خاصة غير الرسمي ـ مل هو ايضاً الوجوه السياسية صاحبة التكشيرة التي يظن اصحابها انها تحقق لهم الهيبة والوقار اللازمين للقادة الكبار، والتي تطل كل ساعة على شاشات الاخبار لتكرر نفس الكلام الذي «لا يودي ولا يجيب» ونفس التصريحات التي «لا هنا ولا هناك»، ومن هنا بدأ الاعلام يبحث عن وجوه جديدة «تفرفش» الناس بعيدا عن هم السياسة وغم زعمائها، وكأنما انفتحت له طاقة القدر.. فاذا بجيوش جرارة من زعماء الفيديو كليب وزعيمات الاعلان وقادة الـ «هز يا وز» تتقدم لتملأ الفراغ بعد انسحاب قادة الكلام وعشاق السلام، وكان استقبال المشاهدين للقادة الجدد مشجعاً للفضائيات على الانفتاح اكثر واكثر على زعماء وزعيمات العصر الجديد الذين صدقوا فعلا أنهم زعماء.. ومن ثم تصرفوا ايضاً كزعماء، يتكلمون بحساب.. ويتحركون بحساب.. تتبعهم في كل تحركاتهم حاشية وحرس من «البودي جارد»، وآخر صيحاتهم التي تؤكد انهم احسوا بأنفسهم كزعماء حقيقيين تلك المؤتمرات الصحفية التي يعقدونها عادة عند اقامة احدهم او احداهن حفلا ما.. او بمناسبة البوم جديد من البوماتهم النووية.. او في حفل العرض الاول لافلامهم التي اقلقت راحة منتجي ومخرجي هوليوود..! في هذه المؤتمرات الصحفية ينشكح زعماء العصر الجديد.. وتضع الزعيمة ساقا فوق ساق لتجيب عن اسئلة الاعلاميين المتلهفين على كل كلمة تنطق بها، مع الاهتمام الاكبر بتصوير الزعيمة بساقيها المستقرتين داخل البنطلون الاستريتش، حتى تؤكد الصورة صدق تصريحات الزعيمة، التي تجد من واجبها كزعيمة وفنانة ان تدلي بدلوها في عالم السياسة لتؤكد شرعية الكفاح المسلح «بالسين وليس بالشين».. ولتقول بصوتها الناعم المبحوح «لا لضرب العراق».. مؤكدة ان «بوش» «رئيس مش ولابد»..!! مرحبا بالزعماء والزعيمات الجدد.. ولا عزاء لزعماء العصر البائد..!!