الاربعاء 18 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 19 فبراير 2003 مسيرات الملايين في شوارع العواصم الاوروبية والتي هتفت ضد حرب الولايات المتحدة وبريطانيا على العراق، فهمت على اكثر من اتجاه، فالبعض رأى فيها دعما مباشراً لصدام حسين الرئيس العراقي وتقوية لموقفه أمام العالم، وبالتأكيد فإن صدام نفسه قد اعتبرها حركة تأييد لشخصه وفرح بها كثيراً ظانا بأن هؤلاء الملايين قد تحركوا بأوامر اجهزته العسكرية والمخابراتية للهتاف له ورفع صوره، ذلك ان صدام لا يمكن ان يتصور وجود شعوب حرة، وارادات انسانية تتحرك ضمن ثوابت الحق والعدالة وحرية الرأي لأنه لم ير هذه الحالة في حياته، ولم يسمح لشعبه بأن يمارسها او يؤمن بها. البعض يعتقد بأن هذه المسيرات ستدفع بوش وبلير قدماً نحو الحرب، انها ستسرع في انفجار الموقف العسكري بدل ان تهدئه، واصحاب هذا التوجه يرون بأن هذه الملايين قد تضع الرئيس بوش وحليفه بلير في موقف غاية في الحرج اذا ما تأخر وقت الضربة وتزايد حجم التأييد ومسيرات السلام في الشوارع ما يشكل ضغطاً كبيراً سيؤدي الى إحباط خطة الحرب .. وعليه فإن مستشاري بوش وبلير قد يفكرون في التعجيل بالضربة قبل ان تفلت الامور لصالح حركات الشوارع الغاضبة!! وبقدر ما تؤمن الجماهير الاوروبية والاميركية التي خرجت بهتافات مازلنا نتذكرها وهي تملأ الشوارع والساحات العامة مؤكدة وبخطوط عريضة على (لا للحرب على العراق)، (ليس باسمنا)، (لا للنفط الملوث بالدماء)، (انقذوا اطفال العراق) وغيرها من الهتافات التي تشكل في مضامينها دفاعاً حقيقياً عن قيم ثابتة في الضمير الجمعي الاوروبي، فالسلام قيمة يعرف الاوروبيون تماماً قيمتها لانهم دفعوا ملايين الضحايا مقابل الحصول عليه اثر حروب قومية وعالمية عصفت بأوروبا خلال قرون من تاريخها. الملايين الهاتفة في عواصم أوروبا لم تكن تهتف لصدام الديكتاتور (الشرير) حسب تعبيرات بعض الشباب هناك، فهذا الرجل يجب ان يرحل لينعم العراقيون بالسلام والحياة المستقرة، لكن الاستقرار لا يأتي بالحرب ابداً، ورحيل صدام كذلك لا يجب ان يكون ثمنه ازهاق ارواح ابرياء العراق، كما حدث في افغانستان، اذن فالحرب ليست حتمية الا من وجهة نظر ادارتي بوش وبلير، وهي ليست قدراً على العراقيين ان يواجهوه اذا ارادوا الخلاص من طغيان صدام. صدام حسين كأي ديكتاتور في العالم الثالث قرأ المسيرات بطريقته وذهنيته المعهودة، وحيا الشعوب الحرة الابية المحبة للعدل والسلام حسب تعبيره، لكنه لا يجد غضاضة في ان يقدم شعب العراق كله قرابين وضحايا كي يستمر هو، هكذا هم مجانين السلطة لا يجدون مانعا لديهم في ان يحرقوا المدن ثم يجلسوا على اكوام الرماد يعزفون نشيد النصر ويمتدحون تضحيات الشعب الذي ضحى بنفسه لاجل القائد!! ذات يوم من أيام شهر ديسمبر من العام 1977 انفق ديكتاتور افريقي كان يحكم ما يسمى بجمهورية افريقيا الوسطى مبلغ 20 مليون دولار في يوم واحد (جزء من مبلغ المعونة التي تقدمها له فرنسا والبالغة 38 مليون دولار) لتنصيب نفسه امبراطوراً مدى الحياة، في ذلك اليوم وضع الامبراطور بوكاسا على رأسه تاجاً كلف مليوني دولار، وارتدى ثيابا بقيمة 145 الف دولار، وحذاء من الماس الخالص، في الوقت الذي لا تمتلك فيه بلاده اكثر من 170 ميلاً من الطرق المرصوفة، بينما السكان يعيشون في فقر مدقع، ومتوسط دخل الفرد السنوي لا يتجاوز الـ 250 دولاراً سنوياً!! كان الامبراطور جان بيدل بوكاسا مقتنعا بما أنفقه على تتويج نفسه قائلا: «لا يمكن للمرء ان يصنع تاريخا عظيما بدون تضحيات واعتقد جازماً بأن هذه التضحية مقبولة من شعبي»!! هكذا يعتقد صدام حسين ايضا وغيره من الديكتاتوريين في كل زمان ومكان.