الاربعاء 18 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 19 فبراير 2003 كان غامضا وشفيفا حينما طرق الباب باحثا عن ملاذ .. لا يعرف احد ما اذا كان هاربا من تهمة أو من واقع سييء يريد تغييره، غامض غموض سحابة لا تعرف متى ولا أين تمطر. صامت صمت أبي الهول .. يحمل في عينيه كبرياء وأملا .. حينما ينظر الى بعيد كأنما يثقب جدران الزمن .. سمرة بشرته توحي انه من طين هذه الارض، منها نبت، وفيها يأمل ان يوارى الثرى. خطف الرجل الذي بلغ أشده قلب عذراء في السابعة عشرة .. بعد استضافة لعدة أيام .. سافر الى احدى العواصم التي تشبه مدن الزجاج .. أرسل يخطب الفتاة التي خطف قلبها دون رد. مرت الأيام ومات رب البيت .. بدأ الأبناء يفتشون الأوراق بحثا عن ميراث يقتسمونه .. لكأنما كانت البنت العذراء تبحث عن شيء بعينه .. مجموعة رسائل بخط يد الرجل الغامض الذي اختفى .. التهمت عيناها سطور الخطابات .. انه يطلب يدها مرارا دون أن يبلغها أحد .. وهي التي تصورت أنها فهمت خطأ نظرات عينيه. انهارت .. استجوبت أمها .. اعترفت الأم بأنها رفضت من حيث المبدأ أن تخطب ابنتها لرجل بلا عنوان، ولا وطن، يرتحل من عاصمة الى عاصمة ومن مدينة الى أخرى باحثا عن منفى آمن. طار لب الفتاة .. تركت كل شيء وأخذت ترتحل من عاصمة الى أخرى باحثة عنه ... لا تحمل شيئا غير اسم .. وصورة غائمة في ذهنها يغلب عليها التخيل من شدة ما أحبته. سألت عنه كل الذين تصادفهم، بحثت في أدلة تلفونات العواصم .. تسكعت في الطرقات تصافح الوجوه، وتخترق نظراتها زجاج السيارات .. أخيرا وجدت من يدلها .. قال لها بصوت مكسور ان الرجل الذي تبحث عنه هناك يرقد في مقبرة الشهداء بعد أن نفذ عملية استشهادية ضد المحتل. بكت كثيرا .. احست انها ضيعت نفسها حين لم تنعم بالعيش معه ولو لسنوات قليلة .. فربما كانت سعادتها قد اكتملت باستشهاده .. كرهت للحظات أمها وأباها اللذين رحلا تاركين لها الأسى وحده. مساحات من التشابه موجودة بين البشر والأوطان .. فالأخيرة ايضا قد تعشق أبطالا غامضين .. لكنهم قد يأتون في لحظة تاريخية تكون فيها قاصرة او عاجزة .. او محل وصاية من احد، حكاما كانوا او نخبا .. تضيع الاوطان فرصة ان تسعد حينما لا تحتج وتتظاهر وتتمرد .. وتشق عصا الطاعة. تكون المأساة اكبر حينما يأتي الابطال في لحظات تاريخية مفصلية فإذا بالاوطان تخذلهم وتردهم مكسورين، يبحثون عن حلول فردية للنجاة من مستنقع الواقع .. قد يجدون او لا يجدون! مجتمعاتنا العربية مجتمعات أبوية .. حتى وهي تذبح بسكين باردة، مجتمعات تفضل ان تبكي على الاطلال بعد فوات الأوان بدلا من ان تنهض على اقدامها في اللحظة المناسبة .. وحتى المشلول في لحظات الموت والحياة يصرخ .. ومدننا لا تصرخ ولا يسمع لها صوت، فيما تخرج (90) مدينة اميركية تعلن رفضها للحرب، لكأن الغاصب يبدأ بقطع لسان المدن قبل أن يغرس السكين في خاصرتها. ليس مطلوبا من الناس سوى أن يخرجوا الى الشارع في المدن والعواصم العربية مسالمين، متحضرين، محافظين على بلدانهم من أي عبث، لكن كل سكان مدننا اختاروا ان يكملوا عشاءهم نوما .. الذئاب تأتي لتلتهم العشاء وتحيل النوم الى موت، فلا عشاء ولا نوم بعد اليوم!! غريبة جغرافية المدن العربية وغريب تاريخها بنفس قدر غرابة طباع اهلها المعاصرين .. الساكتين عن الحق والباطل معا، وغريب ان تكرر الاحداث نفسها لكأنما المخرج نفسه يعيد انتاج فيلم بنفس السيناريو مع تغيير اسماء الابطال وتحريف قليل في المشاهد. الحافظ بن كثير رحمه الله كتب عن بغداد حينما احتلها التتار ما يمكن ان يكتبه اي مؤرخ معاصر عن الغزوة الاميركية التي توشك ان تحل بالمدينة. يقول ابن كثير: «وصل بغداد بجنوده الكثيرة الكافرة الفاجرة الظالمة الغاشمة، ممن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، أحاطوا ببغداد من ناحيتيها الغربية والشرقية، وجيوش بغداد في غاية القلة، ونهاية الذلة، لا يبلغون عشرة آلاف فارس، وهم في غاية الضعف، وبقية الجيش كلهم قد صرفوا من اقطاعاتهم حتى استعطى كثير منهم بالأسواق وأبواب المساجد وأنشد الشعراء فيهم قصائد يرثون لهم، ويحزنون على الاسلام وأهله، ومالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان، ودخل كثير من الناس في الآبار وأماكن الحشوش وكملوا كذلك أياما لا يظهرون، وكان الجماعة من الناس يجتمعون الى الخانات ويغلقون عليهم الأبواب، فيفتحها التتار إما بالكسر أو بالنار، ثم يدخلون عليهم، فيهربون منهم الى عالي الأمكنة، فيقتلونهم بالاسطح حتى تجري المياذيب من الدماء في الازقة، انا لله وان اليه راجعون، وكذلك في المساجد والجوامع والرباع، ولم ينج منهم سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى، ومن التجأ اليهم والى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي، وطائفة من التجار أخذوا عليهم أمانا بذلوا عليهم أموالا جزيلة حتى سلموا وسلمت اموالهم. وعادت بغداد بعدما كانت أنس المدن كلها كأنها خراب، ليس فيها الا القليل من الناس وهم في خوف وجوع وذلة». ما يرويه ابن كثير حدث عام 1258م .. على يد هولاكو، وقدر عدد ضحايا الغزوة التترية بما لا يقل عن ثمانمئة الف قتيل .. مارس اللعبة .. احذف هولاكو وضع بدلا منه عصابة المال والسلاح في البيت الابيض، واحذف التتار وضع بدلا منهم الاميركيين! التهديد بوجود خطة أميركية لمحاصرة بغداد (بربع مليون جندي بعد قصف المدينة بقنابل موجهة بالاقمار الصناعية وتزن آلاف الأطنان) ليس غريباً إذن على صفحات التاريخ واللغة العنجهية ليست ايضاً غريبة.. نتابع ليل نهار تصريحات أركان الادارة الأميركية.. والسخرية التي تفوح من أفواههم بنا كما سخر رامسفيلد من دول الخليج في الأيام القليلة الماضية (كل دول الخليج ستعاوننا في الحملة ما عدا دولة واحدة.. وأقول دولة واحدة حتى أعطي الفرصة لكل دول الخليج أن تزعم انها لا تدعمنا)! عنجهية الاميركان ليست غريبة علينا.. وما رسائلهم في السر والعلن لحكامنا إلا تكرار تاريخي ممل لما كتبه قائد التتار الى سيف الدين قطز.. وما عليكم سوى ممارسة لعبة الاستبدال السابقة: «من ملك الملوك شرقاً وغرباً، القائد الأعظم، باسمك اللهم باسط الأرض ورافع السماء، نعلم أمير مصر قطز الذي هو من جنس المماليك الذين هربوا من سيوفنا الى هذه الأرض، بعد ان ابتاعوا الى التجار بأبخس الأثمان: أما بعد... فإننا نعبد الله في أرضه، خلقنا من سخطه، يسلطنا على من يشاء من خلقه، فسلموا إلينا الأمر تسلموا قبل أن ينكشف الغطاء فتندموا، وقد سمعتم اننا أخربنا البلاد وقتلنا العباد، فكيف لكم الهرب، ولنا خلفكم الطلب، فما لكم من سيوفنا خلاص وأنتم معنا في الأقفاص، خيولنا سوابق، وسيوفنا صواعق، فقلوبنا كالجبال وعددنا كالرمال، فمن طلب حربنا ندم، ومن تأخر عنّا سلم، فلا تهلكوا أنفسكم بأيديكم، فقد حذر من أنذر، وقد ثبت عندكم اننا كفرة، وثبت عندنا انكم فجرة والله يلقي الكفرة على الفجرة». ورغم الخطاب الممتليء عتوا واستكبارا فإن جيوش سيف الدين قطز انتصرت على التتار بعد عامين فقط من انسحاق بغداد أمامها. لو قلبنا صفحات التاريخ لامتلأت قلوبنا شجاعة وأملاً في أن نثقب ثغرة في جدار ذلك الهول الطائر والذي لا يدري إلى أين يتجه. ويعرف جميعنا انه يسابق الزمن نحو حتفه. فلو تعطلت سنن التاريخ لحكمنا التتار الى اليوم.. لكنها لا تتعطل حتى تأتينا موجات جديدة من الغزاة كل حين.. ننكسر أمامها.. وننتصر عليها في النهاية.