الاربعاء 18 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 19 فبراير 2003 في مواجهة تهديد الدولة الاميركية العظمى لا تحتاج كوريا الشمالية بمثل ما يحتاج العراق إلى تعاطف الشارع العالمي وضغوط القوى الدولية الغربية. فهذه الدولة الاشتراكية مكتفية ذاتيا واقليميا من حيث رادع القوة. وهذا هو الفارق الاساسي بين الحالة الكورية والحالية العراقية. ومن عجيب الفوارق والنوادر ان العراق يتعرض لهجوم أميركي كاسح يلحق بشعبه وموارده ومستقبله دمارا فوق التصور، لا لأنه يمتلك فعلا اسلحة دمار شامل بل لانه لايملكها. والعكس ينطبق على حالة كوريا الشمالية. فالولايات المتحدة تتهيب، ليس فقط شن غزو على هذه الدولة الآسيوية، بل تتحاشى حتى مجرد استفزازها لماذا؟ لان كوريا الشمالية تملك حقا ترسانة من اسلحة الدمار الشامل بما في ذلك بضعة رؤوس نووية. كا انها تملك ترسانة اخرى من الصواريخ البالستية عابرة القارات القادرة على حمل الرؤوس النووية الى مدن الساحل الغربي للولايات المتحدة. والنوادر لاتنتهي. فوزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيد يتجرد من اي حد أدنى من الحياء السياسي، عندما يحاول من حين لآخر تبرير استهداف العراق بالحرب بأن هذه الدولة العربية تمثل خطراً ماحقا وفوريا على الامن الوطني للولايات المتحدة، متجاهلا كوريا الشمالية النووية تماما. ولعل أكبر النوادر هي انه بينما اعاد قادة كوريا الشمالية تشغيل مصانع انتاج البلوتنيوم الذي يستخدم في تصنيع المزيد من القنابل النووية بعد ان طردوا فريق التفتيش الدولي التابع لوكالة الطاقة الذرية العالمية لايزال كبار مسئولي الادارة الاميركية يتناوبون يوما بعد يوم على التأكيد لوسائل الاعلام العالمية بأن الولايات المتحدة زاهدة في استخدام اي اسلوب تجاه كوريا الشمالية سوى الاسلوب الدبلوماسي السلمي. هذا التأكيد يتكرر بينما تقول وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية انه بحلول فصل الصيف ستكون كوريا الشمالية قد استكملت تصنيع ست قنابل نووية جديدة. ولكن لماذا لم تنعقد جولة مفاوضات بين واشنطن وبيونغ يانغ حتى الآن؟ هنا تصادفنا نادرة اخرى. فالرفض لا يأتي من العاصمة الأميركية وانما من العاصمة الكورية الشمالية. واشنطن عرضت عقد مفاوضات متعددة الاطراف ـ اي بمشاركة جيران كوريا الشمالية وهم كوريا الجنوبية واليابان والصين. ومن الواضح ان ما ترمي اليه الادارة الاميركية هو مواجهة القيادة الكورية الشمالية بجبهة اقليمية عريضة لكن بيونغ يانغ اعلنت انها اولا لن تقبل الا بعملية تفاوضية ثنائية مع الطرف الأميركي وحده، وثانيا ان يتفق الطرفان مقدما على ابرام معاهدة عدم اعتداء عند نهاية الجولة التفاوضية. ولايزال الشد والجذب قائما حول هذه النقطة الخلافية، بينما على الجانب الآخر تتبع الادارة الأميركية رفضها التحدث الى بغداد بمزيد من حشد الآلة الحربية. لقد فشلت إدارة بوش حتى في ضغطها على جيران كوريا الشمالية لحملهم على إقناع بيونغ يانغ بتصفية برنامجها النووي مقابل «مكافأة» أميركية ملائمة. والمؤسف انه ليس متاحا للعراق ان يتمتع بدعم اقليمي مماثل من الدول العربية. فالصين لا ترى في احتفاظ كوريا الشمالية بترسانة نووية اضراراً بالأمن الصيني.. واليابان، وهي دولة غير نووية، لا ترى حكمة في استفزاز جار نووي لا تمثل قوته النووية خطراً على المصالح اليابانية العليا. أما كوريا الجنوبية فان حكوماتها المتعاقبة تفطن إلى التيار الشعبي الجارف المطالب بإعادة توحيد الكوريتين وتدرك ان من المستحيل مقاومته، وبالتالي لا ترى هذه الحكومات حكمة في التجاوب مع أجندة العداء الأميركي للشق الشمالي من شبه الجزيرة الكورية على حساب الطموح الشعبي. هذا هو الفارق بين كوريا الشمالية والعراق. فبينما تستطيع الولايات المتحدة تسديد ضربة حربية قاتلة الى العراق دون ان تخشى ردا نوويا من بغداد. فان هذا ليس متاحا لها فيما يتعلق بالحالة الكورية. وبينما بوسع كوريا الشمالية الاعتماد على محيط اقليمي جيوسياسي متعاطف ومؤيد فان العراق يجد نفسه في مواجهة محيط اقليمي متحالف مع العدو ورهن إرادته. ولنضرب مثلا: قبل حوالي عشرة أيام ألمحت الإدارة الأميركية عن طريق تقارير اخبارية مسربة إلى أنها سوف تضاعف قوتها البحرية في المياه الدولية القريبة من كوريا الشمالية. ولكن بمجرد أن ردت بيونغ يانغ بأنها اعدت تدابير للدفاع عن النفس بما في ذلك السلاح النووي سارعت وزارة الدفاع الأميركية إلى نفي التسريب جملة وتفصيلاً. ان مشكلة العراق تشابه من هذا المنظور مشكلة الشعب الفلسطيني. فالمشكلتان تتفاعلان داخل محيط اقليمي متحالف مع الولايات المتحدة.. متهادن مع اسرائيل.