الاربعاء 18 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 19 فبراير 2003 قبل الشروع في تفسير ما يجري على الساحة الدبلوماسية والسياسية الدولية، لا بد من التذكير بأن الانتصارات التي بدأت بحصدها الولايات المتحدة منذ بدايات ثمانينيات القرن الماضي، قد خلقت عندها حالة ليس من التماهي مع أحد هذه المرة، بل من استسهال فرض شروطها السياسية على العالم، أي ما يسمى فرض النمطية الأميركية، دون التوقف ولو للحظة واحدة عند حسابات المصالح التي كانت في مرحلة الثنائية القطبية. وعلى ما يبدو أن انسحاق العالم الغربي من جهة، وانجراره من جهة أخرى خلف سياستها منذ البداية، قد ولد عندها القناعة المفرطة، بأن العالم لا يحترم إلا الأقوياء، بحيث أصبح لزاماً عليها، كما ترى هي، التفرد من خلال ديمومة إشهار القوة ضد أي دولة تسول لها نفسها التغريد خارج ما رسمته على المستوى الكوني من استراتيجيات خاصة بهذه القارة أو تلك على مساحة الكرة الأرضية بلا استثناء. هذه القضايا مجتمعة دفعتها للتفكير بالاستحواذ ليس على العالم وحسب، بل وعلى المؤسسات الدولية كافة بداية من مؤسسات الأمم المتحدة التي دفع العالم الكثير من الدماء من أجل بنائها وانتهاء بالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي وحركة رأس المال المتدفق تحت الكثير من العناوين البهلوانية، مثل مكافحة الإرهاب وتجفيف المنابع وما إلى غير ذلك من الشعارات التي ترفع كل صباح من ساحة البيت الأبيض والبنتاغون وأقبية السي أي آيه. بمعنى أكثر دقة، أن نشوة السيطرة والانتصارات المجانية التي حصدتها الولايات المتحدة في أفريقيا والذي تمثل في كنس الوجود الأوروبي فيها، وبعد ذلك في البلقان وبمساعدة أوروبية وفي أفغانستان أيضا وبمساعدة أوروبية ودولية تحت عنوان مكافحة الإرهاب، قد دفعتها للتفكير الجاد في اختزال العالم بقطعة بحرية أميركية جوالة في البحار والمحيطات. لكن السؤال هل تنجح أميركا هذه المرة، بتحويل العالم إلى قطعة بحرية في أسطولها؟ العمى الامبراطوري الواقع أن ثمة مرحلة جديدة قد بدأت تظهر فيما يخص العلاقات الدولية، مشفوعة بجملة من الأهداف، بداية من الدفاع عن الوجود واثبات الذات مروراً بالدفاع عن المصالح وانتهاء بوقف التدهور الحاصل على المستوى العالمي الذي يؤسس لحالة من نشوب الصراعات غير المنظورة، والتي ستؤدي بدورها، إلى ضرب الأسس السلمية التي قامت على أساسها المنظمة الدولية وما حملته من قوانين تعاقدية بين الأطراف الدولية المتعاقدة في كل العالم. لكن بعيداً عن تفسير الظواهر المفسرة، فقد وصلت دول العالم أعني الأوروبي، إلى حقيقة مفادها أن الولايات المتحدة من خلال ممارسة سياستها الجهنمية، التي تحمل قسطاً غير يسير من عمى الإمبراطوريات، تحاول السيطرة والإجهاز عليها لصالح مشروعها الهادف إلى نشر السيطرة على العالم، الأمر الذي وضع أوروبا من جهة والعالم أعني روسيا والصين من جهة أخرى، أمام مسئولية الدفاع عن مصالحهم، بل أكثر من ذلك عن وجودهم الحضاري والإنساني، ناهيك عن حسبة المصالح التي غالباً ما تتصدر قائمة الأولويات بالنسبة لهذه الدول وغيرها. هذا الدفاع عن المصالح سيزف للعالم على ما يبدو جملة من الخطوات السياسية الأوروبية، أهمها، محاولة أوروبا أخذ زمام المبادرة، التي كانت قد تخلت عنها بعد الحرب العالمية الثانية لصالح الولايات المتحدة الأميركية، بذريعة التوحد من أجل مواجهة الخطر المشترك، الذي تمثل آنذاك بالمنظومة الاشتراكية وتحالفها الكوني، والذي شمل بعض الدول المستقلة حديثاً، وما سمي بحركات التحرر التي نادت بالانعتاق من السيطرة الرأسمالية، التي كانت تتمتع أوروبا بالموقع الرائد والمتقدم فيها. أما بعد أن أصبحت أوروبا هدفاً، فستضطر من خلال ـ زمام المبادرة ـ الى التخندق خلف ما يسمى بالقرارات الدولية من جهة، والعمل على طرح حلول إيجابية من أجل طرح شراكة كونية جديدة من جهة أخرى. بمعنى اخر ستحاول أوروبا مع مثيلاتها من الدول الابتعاد ما أمكنها ذلك، عن حاملات الطائرات العائمة في البحار والمحيطات، التي تسيرها الولايات المتحدة بحثاً عن المكاسب والمنافع. ولعل المبادرة الفرنسية ـ الألمانية، التي وافقت عليها كل من روسيا والصين، تعتبر موشراً على هذه السياسية الهادفة إلى منع الولايات المتحدة من التفرد بمصير العالم، بل أكثر من ذلك، أن انقسام حلف شمال الأطلسي، واستخدام حق الفيتو من قبل فرنسا وألمانيا وبلجيكا حول ضرورة دعم تركيا، في حال وقوع العدوان على العراق، يعتبر بحد ذاته دليلاً آخر على المواقف الأوروبية المستجدة من سياسية الولايات المتحدة. بالإضافة لذلك، فانه في ظل غياب حالة التوازن، بدأت أوروبا تدرك المسئولية التاريخية الملقاة على عاتقها، ليس لمصلحة شعوب دول العالم الثالث، بل لمصلحة شعوبها التي بدأت بالعودة للانخراط في العمل السياسي من جديد، بعد أن استكانت لاكثر من خمسين سنة ونيف، للمؤسسات السياسية المنتخبة، باعتبارها صاحبة التخصص وبذلك صاحبة العقد والحل، هذا الأمر دفع بالمؤسسات السياسية الأوروبية للعمل على تغيير استراتيجيتها التي كانت متبعة، خوفاً من انتقال عدوى التحولات السياسية والاجتماعية التي تشهدها الكثير من بلدان ما يسمى بالعالم الثالث، خاصة وأن المؤسسات السياسية الأوروبية بدأت تدرك الحقيقية التي تسعى فرضها الولايات المتحدة، والتي تتلخص في عزلها عن منابع الثروات وأسواق الاستهلاك في آن، وهذا الأمر بالضرورة إذا ما تحقق سيعيد أوروبا مرة أخرى لدول تقتات على مقدراتها الذاتية، وستعود مجدداً لظهور أشكال سياسية تشبه إلى حد كبير الفاشية والنازية في ثلاثينيات القرن الماضي. أي أن أوروبا كغيرها، بل أكثر من غيرها، تعيش هاجس السياسة الأميركية، التي تسعى لإبقائها ملحقاً قزماً خلف سياستها، بذريعة مقاتلة الإرهاب والدول الإرهابية وأسلحة الدمار الشامل، وما إلى غير ذلك من هذه الشعارات التي حاولت تسويقها بعد أحداث 11سبتمبر . تحالفات جديدة وليس من غرابة، إذا ما قلنا أن أوروبا تسعى هذه الأيام لاقامة علاقات سياسية وعسكرية مع الكثير من الدول من دون تسميات، بهدف دفع تلك الدول للوقوف بوجه السياسية الأميركية. وقد تكون أيضاً عودة فرنسا إلى ساحل العاج، بصرف النظر عن الربح والخسارة محاولة ليست بالبسيطة لجهة العلاقات الفرنسية - الأميركية، بل أكثر من ذلك محاولات ألمانيا الدخول على بعض الدول لتحديث صناعاتها بما في ذلك تقنيات الكشف والرصد العسكري ليست ناتجة عن عبث المصالح التجارية وحسب، بل للعودة إلى إثبات الجدارة التي غابت عنها مذ جرى تقسيمها بين الشرق والغرب في نهاية الحرب العالمية الثانية بمنتصف القرن الماضي. دون أن نسقط بطبيعة الحال، موقف بابا الفاتيكان، الذي يتحدث بلسان كاثوليك فرنسا وألمانيا وحتى بريطانيا وغيرها من الدول الأوروبية، أي لاتينها، في مواجهة التحالف الانكلوسكسوني الذي لا يزال ممعناً في تغييب الدور اللاتيني. وقد تكون زيارة موفد بابا الفاتيكان إلى العراق لدعم موقف التحالف الفرنسي - الألماني من جهة، وللتأثير على الكاثوليك في الولايات المتحدة الذي بدأ دورهم يتنامى داخل المؤسسات السياسية الأميركية بشكل مضطرد أكثر من ذي قبل. بمعنى أن أوروبا، على ما يبدو، ستدافع عن مصالحها بكافة الطرق حتى لو كلفها ذلك، إقامة تحالفات مع الكثير من الدول والأحزاب التي تعتبر بالمنظور الأميركي تشكل خطراً على أمنها القومي، وقد بدأت مثل هذه العلاقات تتضح معالمها حتى داخل المجتمعات الأوروبية ذاتها. عود على بدء، يمكننا الزعم، بأن جزءاً مهماً من أوروبا سيبقى على رفضه التحول إلى قطعة عائمة في الأسطول الأميركي الذي يجوب شواطئ الخليج العربي والبحر المتوسط، لأن أوروبا جربت في السنوات القليلة الماضية مرارة طردها من إفريقيا وأن أي كنس لها جديد من آسيا سيكلفها الكثير بما في ذلك انهيار الاستقرار ونظام الكفاية. لكن شرط ذلك كله، اتخاذ موقف عربي موحد في وجه الإمبراطورية الجديدة وما تخطط له لمستقبل وشكل المنطقة على كافة المستويات السياسية والديموغرافية والجغرافية، حسب زعم وزير الخارجية الأميركي كولن باول، والذي من شأنه، الموقف، أن يخلق تحالفات جديدة في العالم قد تخفف شيئا ما من مخاطر القادم على أقل تقدير. يبقى السؤال هل يتعظ العرب من الموقف الفرنسي ـ الألماني، الروسي ـ الصيني، أم أنهم سيبقون على مطالبة الضحية ـ العراق وفلسطين ـ بدفع الفاتورة المجانية؟ ـ كاتب فلسطيني