الاربعاء 18 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 19 فبراير 2003 نشر مركز اميركي مستقل يدعى (Center for Public Integrity) مسودة قانون جديد مؤرخ في 9 يناير 2003، والمسودة كتبها طاقم وزير العدل الاميركي اشكروفت، مكتوب على غلافها (قانون تطبيق الامن الداخلي لعام 2003) نشرت صحيفة الواشنطن بوست نبذة عن هذا القانون السري الذي سيكون هو وامثاله من القوانين التي صدرت بعد 11 سبتمبر مسامير في نعش الديموقراطية الاميركية. استنادا لهذا القانون يحق لوزارة العدل الاميركية احتجاز ومعاقبة المتهمين بالارهاب بالسر وبدون الرجوع للمحاكم، وسيعطي وزارة العدل صلاحية البحث السري والتجسس على أي مشتبه، وللوزارة الحق في اخذ عينات من جسد المتهم لاغراض بصمة الحمض النووي او DNA، ويحق للحكومة وضع أي شخص تحت المراقبة بضوابط اقل من تلك التي تطبقها على المجرمين والخارجين على القانون، ولا حاجة للوزارة لاثبات ان الشخص الموضوع تحت المراقبة يشكل خطرا على الامن القومي الاميركي كما كان سابقا. لقد تقاربت الحكومتان الاسرائيلية والاميركية بشكل لم يعهده تاريخ العلاقة بينهما، مما حدا برئيس الوزراء الاسرائيلي لشكر الرئيس بوش لتفهمه للحاجات الامنية الاسرائيلية، ومدح مبادرة الرئيس الاميركي لاحلال السلام بين الفلسطينيين واليهود والتي قال انهما قد وضعاها ووافقا عليها!! كل الرؤساء الاميركان ابتداء من عهد الرئيس نيكسون جعلوا القضية الفلسطينية هي القضية الاساسية في مسألة الشرق الاوسط، وكانوا على يقين ان السلام لن يحل في تلك المنطقة الساخنة إلا باعطاء الفلسطينيين بعض الحقوق الاساسية، قد يختلف هامش تلك الحقوق ومقدارها من رئيس الى اخر ولكن يبقى الصراع العربي الاسرائيلي هو المهيمن على قضايا الشرق الاوسط في كل اجتماع او عشاء او حتى تسلية. عندما جاء راعي البقر التكساسي الى سدة الحكم في البيت الابيض ادار دفة السياسة الاميركية لتتجه نحو العراق بدلا من فلسطين، وجعل قضية العراق هي القضية الاساسية في تطابق تام مع السياسة اليهودية التي كانت تحلم بتحويل انظار الناس الى منطقة اخرى غير اسرائيل، وبدأ بتعيين شخصيات متطرفة مواليه لتل ابيب من اليمين المسيحي المتطرف او من اليهود الليكوديين في تحد غير مسبوق لمشاعر العرب والمسلمين ومعارضي الحرب. في اجتماع له مع موظفي وزارة الدفاع الاميركية لشرح خلفية الصراع العربي الاسرائيلي قال وزير الدفاع الاميركي: «في عام 1967 طلبت اسرائيل من جيرانها العرب عدم التدخل ولكنهم دفعوا بجيوشهم التي هزمتها اسرائيل، ونتيجة لتلك المعركة احتلت الكثير من الاراضي وسكنت فيها مستوطنيها». عندما يختصر وزير دفاع اقوى دولة على وجه الارض الصراع العربي الاسرائيلي في فقرة هزيلة ممجوجة غير منطقية نعلم ان التعصب قد وصل ذروته وان عمى الظلم قد اطفأ نور الحقيقة. لقد بدأت عملية السقوط المريع للحضارة الاميركية، فالقانون الذي صاغة اشكروفت يطلق يد السلطة غير القضائية في امور من صميم القضاء مما يشكل انحدارا غير مسبوق في دولة تفخر بديموقراطيتها، وهي بانحرافها عن تطبيق القانون على جميع مواطنيها بشكل متساو تكرر نفس الاخطاء التي وقعت فيها الحضارات السابقة والتي تنذر بالتفكك والترهل ومن ثم الى الزوال. إن اعطاء صلاحيات شبه مطلقة للمؤسسات الامنية يحولها الى مراكز قوى تنهش في جسد الدولة، وما تضخم اجهزة المخابرات والجيش وسيطرتها على مقاليد الامور في العديد من دول العالم الثالث الا لانها اعطيت تلك الصلاحيات التي تسيء استغلالها لشعورها انها بعيدة عن اعين القضاء والرقابة. بدأت بوادر تشقق في المجتمع الاميركي وظهر هذا التصدع واضحا في الوجود القوي لقوى اليمين المسيحي في البيت الابيض ومراكز صنع القرار، وهم يدفعون دفعا باتجاه الحرب واصدار القوانين المقيدة للحريات التي لن تطبق سوى على العرب والمسلمين، وقد اعلن احدهم مؤخرا عزمه على الشروع في جمع التواقيع والضغط على اعضاء الكونجرس لاصدار قانون يسمح للسلطات الاميركية بجمع العرب والمسلمين في مخيمات في الصحراء لحين الانتهاء من احتلال العراق، لانهم على حد قوله يشكلون خطرا على الامن القومي الاميركي، واستدل بما قامت به الولايات المتحدة الاميركية مع مواطنيها ذوي الاصول اليابانية خلال الحرب العالمية الثانية. يقول احد زعماء اليمين المسيحي القسيس رتشارد لاند: «اننا نحتاج الى مباركة اسرائيل لان اسرائيل لديها حليف قوي، انه الله تعالى». عندما يجتمع اليمين المسيحي واليهودي في جبهة واحدة تصبح حينها تلك الجبهة قذرة يغلب عليها صراخ الحرب والتعصب والدم، فمن كان يعتقد ان اسرائيل دولة الله في ارضه فهو يقدس اعمالها مهما تكن بغيضة، كما فعل الرئيس بوش حين وضع يده على كتف السفاح شارون ونظر اليه في عينه قائلا: ان شارون صديقي وهو رجل محب للسلام!! قد تبدأ تلك الجبهة المتعصبة حربها في العراق، ولكنها بالتأكيد لاتملك ان تنهيها في العراق وليس بيدها نتائج المعركة. ـ رئيس تحرير «الجزيرة نت» Qatar877@hotmail.com