الاربعاء 18 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 19 فبراير 2003 إذا كان تقرير بعثة المفتشين الدوليين المقدم إلى مجلس الأمن، وضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بالمدى الذي بلغته عمليات البحث عن الأسلحة المحظورة في العراق، فهو من ناحية أخرى اعطى دول العالم فرصة ثمينة لمعالجة المشكلة العراقية بالوسائل السياسية وتبديد الضغط الذي تمارسه الولايات المتحدة عليها لحملها على اللحاق بها في الحرب التي تعدها ضد بغداد. وفي هذا المنعطف الخطير من عمل الأمم المتحدة اكتسبت الاقتراحات الفرنسية ـ الألمانية، الرامية إلى تعزيز دور المفتشين الدوليين واعطائهم مهلة كافية لانجاز مهمتهم، أهمية مضاعفة. فهي سمحت بتوسيع نطاق التحالف الدولي العامل من اجل السلام، بانضمام روسيا والصين ودول اخرى إليه، كما افسحت المجال أمام شعوب العالم للتعبير عن موقفها برفض الحرب، وذلك من خلال التظاهرات الحاشدة التي شهدتها مختلف مدن العالم الرئيسية، خصوصاً عواصم بعض الدول الموالية للولايات المتحدة كبريطانيا وايطاليا واسبانيا، وحتى المدن الأميركية ايضاً. ومن المثير للاهتمام ان اكبر هذه التظاهرات الشعبية انطلقت في لندن وروما ومدريد، حيث اشارت التقديرات إلى أن عدد المتظاهرين في كل من المدن المذكورة زاد على المليوني شخص، ما يذكر بالتظاهرات العالمية الضخمة المناهضة لحرب فيتنام (الأميركية) التي انطلقت في الستينات من القرن الماضي. ومع التسليم بأن الولايات المتحدة قادرة، من الناحية العسكرية، على الانفراد بشن حرب على العراق، لما تملكه من امكانات هائلة في هذا المجال، إلا ان المراقبين يتفقون على بروز مزيد من العقبات السياسية في وجه القرار الأميركي، شكلها تقارير المفتشين الدوليين النافية لوجود اسلحة دمار شامل في العراق، وهي الحجة التي تتذرع بها إدارة الرئيس جورج بوش لشن الحرب، ثم تبلور محور دولي معارض للحرب، قوامه كل من فرنسا، ألمانيا، روسيا، الصين، ودول عديدة اخرى. وكمؤشر واضح على ذلك فإن رئيس الحكومة البريطانية توني بلير، وهو الحليف الرئيسي الوحيد للإدارة الأميركية في خططها الحربية، وجد نفسه مطراً للإعلان عن تأييده إعطاء مهلة اضافية للمفتشين الدوليين لمواصلة مهمتهم في العراق. ومن شأن هذا الموقف ان يضع إدارة الرئيس بوش امام احتمالين: إما تأخير موعد شن الحرب الى ما بعد شهر مارس حيث تصبح العمليات العسكرية في المناخ الصحراوي الشديد الحرارة، اكثر صعوبة، وإما المغامرة بخوض حرب انفرادية لاتحظى بأي تعاطف دولي، وفي جو سياسي اقليمي غير مواتٍ على الإطلاق. تخبط أميركا ان إعلان الرئيس بوش، لاحقاً، بأن الحملة الأميركية ضد الارهاب تشمل العراق ايضا، لا يغير شيئاً من هذا الواقع. بل يضيف عاملاً جديداً الى تخبط الموقف الأميركي، بعدما فشلت واشنطن في ايجاد رابط مادي بين النظام العراقي وتنظيم «القاعدة». ذلك ان تراجع ذريعة اسلحة الدمار الشامل، التي لم يعثر على اي كمية منها داخل العراق ـ حتى الآن على الأقل ـ يزيد في صعوبة اقناع العالم بالذريعة الاخرى. فالقرينة التي سبق للوزير الأميركي كولن باول ان قدمها الى مجلس الأمن حول وجود علاقة بين بغداد و«القاعدة» لم تقنع احداً. ولهذا فإن عودة الرئيس بوش للحديث عن هذا الرابط بين العراق و«الإرهاب» لا تضيف شيئاً سوى تكرار حجة ساقطة. فانتاج مزيد من الشعارات، وهو مابرعت فيه الإدارة الأميركية تماماً، ليس من شأنه خلف حقائق جديدة على الأرض تساعد واشنطن في حروبها المفتوحة ضد الجميع. فشعار «محور الشر»، على سبيل المثال فقد تأثيره منذ وقت طويل، ليس فقط بسبب وجود خلل اساسي في تركيبه ومضمونه، بل لأن الولايات المتحدة تقف الآن موقفاً ملتبساً من اثنتين من دولة: ايران وكوريا الشمالية. فالأولى تحتاج واشنطن الى تعاونها في موضوع العراق، ولهذا فهي تتودد إليها حالياً وتحاول اقامة بعض الترتيبات الخاصة معها. والثانية، لا تعرف إدارة بوش كيف تعالج مشكلتها من دون ان تتسبب بإحداث كوارث جديدة في شبه الجزيرة الكورية. علي ان ذلك قدم نماذج جديدة للمعايير المزدوجة التي تعتمدها الولايات المتحدة في سياساتها العامة. وهذا ما يشجع منتقديها على إطلاق المزيد من التحذيرات فيما يتعلق بمصير التحالف الدولي ضد الإرهاب الذي تم تشكيله بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. فالتحالف المذكور ينحرف بسرعة عن أهدافه، كما ان المهمات التي يدعيها بعض اطرافه لنفسه، كما تفعل اسرائيل في حربها العدوانية ضد الشعب الفلسطيني، تجعل من هذا التحالف مجرد اداة لاخضاع معارضي الولايات المتحدة والمتضررين من سياساتها في كل انحاء العالم. حقائق جديدة لقد كشفت المواجهة الأخيرة أمام مجلس الأمن الدولي، الى جانب التجاذبات المستمرة حول الموضوع العراقي في العالم كله، عن معطيات اضافية تتصل بالأزمة الراهنة من جهة وبالنظام العالمي القائم على الاحادية القطبية من جهة اخرى. ففيما يتعلق بالمشكلة العراقية، وهي الجانب المباشر في الصراع الدولي الراهن، تأكد ان معسكر السلام في العالم يزداد اتساعاً يوماً بعد يوم مع ظهور المزيد من الحقائق حول طبيعة الأزمة الحالية. ويعبر هذا المعسكر عن موقفه، أولاً بالدعوة الملحة الى تمديد مهمة المفتشين الدوليين في العراق لاثبات خلو هذا البلد من اسلحة الدمار الشامل، وتالياً بالتظاهرات الشعبية الحاشدة التي تشكل المقياس الضميري والأخلاقي لمدى عدالة الحرب التي تلوح بها الولايات المتحدة وتحشد الجيوش لخوضها. وفي الأنظمة الديمقراطية، سيكون من الصعب تجاهل هذه التحركات الشعبية، أو عدم ادراك مضمون الرسالة السلمية التي اطلقتها عبر الشعارات المرفوعة والهتافات الجماعية التي رددها ملايين الاشخاص بصوت واحد: لا للحرب.. نعم للسلام. أما التجاذبات التي رافقت هذه المشكلة، وكان من ابرز تجلياتها الانقسام الحاد بين ضفتي الاطلسي: الولايات المتحدة وأوروبا، فقد أرست مجموعة من الحقائق الجديدة التي كانت قد اختفت في خضم الحديث عن العولمة ومفاعيلها الاقتصادية. ومن هذه الحقائق: ـ أولاً: اثبت المحور الفرنسي ـ الألماني (المدعوم من روسيا والصين) ان دولاً رئيسية في العالم تستطيع منع تحويل الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي إلى مجرد غطاء، أو محطة عبور لشن اعتداءات على دول اخرى من دون مسوغات قانونية أو أسباب أمنية او سياسية محدة تبرر ذلك. ومع ان وجود مثل هذا المحور لا يمنع الولايات المتحدة من شن الحرب على العراق، او على اية دولة اخرى قد يأتي دورها لاحقاً، لكن ذلك ليس مبرراً لأن تقف الدول الاخرى خلف واشنطن في صورة تلقائية، ومن دون اي مساءلة، حتى ولو كان الأمر يتعلق بمصلحة اميركية خاصة، على ما صرح به وزير الخارجية الاميركي كولن باول في وقت سابق امام الكونغرس الاميركي. ثانياً: اظهرت المشاورات التي جرت في الجانب الآخر من الأطلسي بين عدد من قادة الدول الاوروبية، اضافة الى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وجود رغبة مكبوتة باستبدال النظام العالمي الاحادي القطبية بنظام آخر متعدد الاقطاب، لاحداث توازن سياسي على المستوى العالمي وقد تحدث الرئيس الروسي عن هذه المسألة بصراحة خلال زيارته الاخيرة لباريس وتفاهمه مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك، حيث قال بالحرف الواحد: «انا اريد للعالم ان يكون اكثر واقعية واكثر فهماً وامناً، لابد ان يكون متعدد الاقطاب». ومن الممكن المجازفة بالقول ان تشكيل المحور الفرنسي ـ الالماني، يصب في هذا الاتجاه. ثالثاً: في الاطار ذاته، بدا الموقف الالماني خلال الأزمة الراهنة اكثر وضوحاً واستقلالية، من خلال تصريحات المسئولين الالمان التي تؤكد رفض التبعية للولايات المتحدة فوزير الدفاع الالماني بيتر شتروك اعلن بصراحة: «لسنا اتباعاً لاميركا، وكل فرصة يجب ان تستغل لايجاد حل سلمي للأزمة العراقية». ويفتح الموقف الراهن الباب امام برلين لتحقيق مزيد من الاستقلالية عن الولايات المتحدة في المستقبل. ـ رابعاً: ابرزت تطورات الاسبوعين الاخيرين مفارقة مهمة تعكس التوجهات والرغبات التي تنطوي عليها مواقف الاطراف المتصارعة. فالاقتراحات الفرنسية ـ الألمانية الخاصة بالموضوع العراقي وكل ما نشأ عنها من مضاعفات، كانت بمثابة تعبير عن الرغبة الدولية في تأمين آلية لعمل دولي جماعي لمعالجة المشكلة بالوسائل السياسية، بدلاً من حصر هذه المسئولية بالولايات المتحدة وحدها. وفي المقابل، بلغت الحملة السياسية والاعلامية الاميركية ضد فرنسا ـ بسبب رفضها الحرب ـ حد مطالبة احد الكتاب البارزين (توماس فريدمان) بالغاء عضوية فرنسا في مجلس الأمن الدولي وهذا يعني انه في الوقت الذي تبحث الدول الرئيسية في العالم عن وسيلة تنهي فيها تفرد الولايات المتحدة بادارة شئون العالم، باتت واشنطن تضيق ذرعاً بمعارضيها، الى حد ان ثمة من يجرؤ على التفكير بالغاء الدور العالمي لدولة كبرى كفرنسا، لمجرد انها ترفض تنفيذ رغبات الولايات المتحدة. وحيال ذلك، ينبغي القول ان صراع الارادات، وكذلك المصالح، بلغ مرحلة خطيرة، حتى بين الحلفاء (السابقين) انفسهم ومن الضروري استخلاص ان ذلك كله كان نتيجة لسياسة التفرد التي تصر الادارة الاميركية على انتهاجها. الخلاف الأطلسي خامساً: انطلاقاً من الصراع الذي يدور داخل حلف شمال الاطلسي، مما اضطر ثلاثاً من دوله، وهي فرنسا والمانيا وبلجيكا، لاستخدام الفيتو ضد طلب الولايات المتحدة تقديم الحلف دعماً عسكرياً لتركيا، اعاد محللون طرح السؤال مجدداً حول الحاجة الى استمرار حلف الأطلسي بعد انهيار الكتلة الاشتراكية وزوال اداتها العسكرية: حلف وارسو، وتشير تجارب السنوات العشر الماضية انه برغم التوسع المستمر لحلف شمال الاطلسي، لم يبق لديه ما يفعله في صورة جدية، باستثناء تحوله الى اداة احتياط عسكرية في يد الولايات المتحدة ولذا كان من الطبيعي ان ينفجر الخلاف بين اطرافه، على نحو ما حدث حيال الموضوع العراقي. وسبب الخلاف مع الولايات المتحدة في هذا الشأن، هو ان الدول الثلاث: فرنسا والمانيا وبلجيكا، لا ترى ان تركيا (عضو الأطلسي) مهددة بأي عدوان خارجي وبالتالي فهي ليست بحاجة الى الدعم الذي تطلبه لها الادارة الاميركية ومن جانب آخر فإن تقديم اي دعم اطلسي لتركيا، في الوضع الراهن، سيعني عملياً مشاركة دول الاطلسي كلها، بما فيها الدول الثلاث التي سبق ذكرها، في الحرب المقررة ضد العراق، بينما هي في الواقع تعارض هذه الحرب وترفض اي محاولة اميركية لاضفاء شرعية دولية عليها. ويستنتج من كل ذلك ان الدول «المتمردة» على التفرد الاميركي، تجد في المشكلة العراقية فرصة لخوض صراع من اجل تصحيح النظام العالمي، وذلك بحصر الاحتكام في اي نزاع دولي بالأمم المتحدة وحدها، بدلاً من ان تبقى الولايات المتحدة صاحبة المرجعية الاساسية، وربما الوحيدة، في ذلك ولقد اثبتت الدول «المتمردة» انها تستطيع ان تفعل الكثير في هذا الشأن اذا وحدت موقفها، واذا تحلت بقدر من الشجاعة المعنوية. ويزيد من اهمية ما يحدث اليوم، ان المسألة تتعلق بالحرب والسلام في بقعة مهمة من العالم، وليس بقضية تنافس على النفوذ، وهو ما يعطي مصداقية اكبر لمحور السلام الاوروبي. ـ كاتب لبناني مقيم في فرنسا