الاربعاء 18 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 19 فبراير 2003 كيف يمكن استثمار مشاعر الغضب التي تجتاح العالم هذه الايام وتطالب بحقن الدماء والاصغاء الى صوت الحكمة والعقل والضمير؟ وكيف يمكن الافادة منها حتى لا تصبح مجرد صيحات تطلق في الهواء، ويختفي مفعولها بمجرد ان تنتهي المظاهرة، ويهدأ الصوت الهادر الذي ألهب العالم حماساً ضد الظلم والطغيان؟! ان من واجبنا ان نستثمر هذه المبادرة لتعزيز مواقفنا البالغة الحرج، وان نحتفي بهذا الموقف الاخلاقي الذي يؤكد ان الضمير العالمي مازال قادراً على قول كلمة «لا» للطغيان والعنجهية مهما كان مصدرها ومهما كان حجم القوة التي تمتلكها لتنفيذ مآربها اللاانسانية. هذه البقايا النابضة بمشاعر المشاركة والاحساس بهول الكارثة الوشيكة التي تشهد على دموية القطب الاوحد، وتحفزه للسير مع اطماعه التي لا تعرف الحدود الى المدى البعيد قاطعاً الطريق امام المؤمنين بأن اهدار كرامة الانسان واستباحة ارضه وسمائه امر تأباه شرائع السماء وتجرمه الدساتير الدولية وتدينه مواثيق حقوق الانسان. لم يعد الرهان اذن على الكراسي الخرساء، ولا على الجالسين فوقها من ذوي الياقات الحمراء، ولا على المدبلجين للخطب العصماء القارعين لطبول الحرب دون ان يعيروا ادنى التفات للرأي الذي يحاكم افكارهم ويدين مواقفهم المتطرفة!! وها هي المظاهرات السلمية التي يشهدها العالم اليوم تقول شيئاً مختلفا، وتتحدث بلغة ودودة معلنة تضامنها مع الشعب العراقي، ورفضها القاطع للنوايا الاميركية التي انكشفت عن رغبة عارمة في ترويع الشعب العراقي وتحطيم معنوياته بكل الوسائل والحيل. ومن حق اطفال العراق وفلسطين علينا ان نستثمر هذا المناخ الايجابي المعبر عن يقظة وتعاطف عالميين في الاتجاه الذي يعزز من مواقفنا الدفاعية ضد الاحداث الخطيرة التي ستشهدها الايام المقبلة. لكن ما يضاعف من الشعور بالمرارة، ويزيد الموقف الرسمي والشعبي انهياراً امام الظرف الذي تمر به المنطقة ان المظاهرات التي يشهدها العالم لا تحرك لدينا الرغبة في ان نستثمر الفرصة ونجسر الصلة ما بيننا وبين المنظمين لتلك المظاهرات والمشاركين فيها من الرموز العلمية والشخصيات البارزة التي خرجت تعلن انحيازها للمظلومين، وتصب لعنتها على الظالمين. هذا التخلف في المواقف الرسمية والشعبية يؤكد ان مجتمعاتنا مازالت تمر بمرحلة طفولة في فهم حركة المتغيرات التي تجري في العالم اليوم. وينم عن قصور سريع في ادراك خطورة الجهل بفداحة ان نظل نتفرج على اللاعبين حتى نتبين النتيجة النهائية لهذا الالتحام غير المتكافيء بين دعاة الاستئصال ودعاة الرفق بالانسان. وكأنه بامكاننا ان نظل متفرجين والنار قد اضرمت تحت اقدامنا، والسماء توشك ان تطبق علينا من كل صوب واتجاه. ايعقل ان نترك مصيرنا بيد الآخرين ونعلن انسحابنا من الموقف برمته فنحن لسنا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء انما نحن ننتظر النتيجة ونمارس ببرودة لم يعهدها التاريخ في أمة من الامم من قبل سياسة انتظار ما ستفسر عنه الايام المقبلة؟! ان الغريق يتعلق بقشة، والمغلوب يلوذ بأي بارقة امل تعيد له شيئاً من ثقته المفقودة بنفسه. اما ان يصر المقهور على اغلاق عينيه وصم اذنيه عن التقاط الرسائل القوية التي تدعمه وتنحاز لصفه فهذا والله هو الخيبة العظمى التي لن يغفرها التاريخ ولن تنساها الاجيال القادمة. هذه الحماقة في التفريط بفرص النجاة او تقليل حجم الخسائر الوشيكة هي الدليل رقم مليون على اننا غير جادين في نصرة قضايانا، وهي اثبات اخر يؤكد ان الخذلان لم يأتنا من طرف شارون او بوش انما اتانا من هذه الهزيمة النفسية والاعتذار بلسان الحال عن الانضمام الى صفوف دعاة السلام في العالم لتنظيم الصفوف، وتصعيد حجم المواجهة السلمية بعد ان اسقطنا الخيار العسكري منذ عقود طويلة. ترى ألم يحن الاوان بعد لننتفض على ذواتنا... لننتقد أداءنا الركيك تجاه نصرة قضايانا... لنتخذ خطوات تؤكد اننا مازلنا احياء، وان الغيرة مازالت تعرف طريقها الينا؟ ألف سؤال يفرض نفسه طامعا في اجابة واحدة ليست نظرية ولكنها تتخطى جدار الصمت السميك الى حيث العمل وارادة التغيير