الثلاثاء 17 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 18 فبراير 2003 طوال الأسبوع الماضي أسأل نفسي: كم من الأصوات الجميلة، القوية، الندية، التي عاش أصحابها في قرى ومدن مصر، ومضوا بدون ان يعرفهم أحد أو يسمع بهم أحد، السبب عدم توفر الأسباب والظروف؟ سبب السؤال، ما طالعته في مؤلف جميل عن أم كلثوم، صدر منذ سنوات عن الجامعة الأميركية في القاهرة، وصدرت ترجمته الى العربية في الشهر الماضي، تفرغت الباحثة الأميركية فرجينيا دانيلسون خمس سنوات لاعداده، دفعني الحنين الى قراءته مع حلول الذكرى الثامنة والعشرين لرحيل «كوكب الشرق» التي لا تزال حاضرة بقوة في حياتنا ولم يشغل مكانتها أحد ولن، يستحيل ذلك لأن كل عصر مفرد، ولا يحل زمن مكان آخر، لم تكن أم كلثوم شخصية نادرة في صوتها وذكائها فقط، انما كانت حقبة في حد ذاتها، جوهر عصر ومجتمع على امتداد ستة عقود قامت خلالها دول وزالت دول. من يتصور ان صدفة دفعت بأم كلثوم الى بداية طريقها في الفن؟ هذا ما جرى بالضبط، لقد ولدت أم كلثوم لأسرة فقيرة في قرية طماي الزهايرة، مكان مولدها معروف، لكن التاريخ تقديري، تقول السجلات أنه الرابع من مايو عام أربعة من القرن الماضي، انه التاريخ المدون في احدى صفحات المواليد بمحافظة الدقهلية، لكن من المعروف ان الأسر في ذلك الوقت لم تكن تبلغ فور وفادة مواليدها، على أية حال، هذا هو التاريخ المدون في السجلات الرسمية، كان أبوها شيخا رقيق الحال، إماماً لمسجد القرية، توفي عام اثنين وثلاثين، أما والدتها فرحلت عام سبعة وأربعين، الأم ربت الأبناء: «سيدة» التي تكبر أم كلثوم بعشر سنوات، وأخوها «خالد» الذي كان يكبرها بعام واحد. عندما التقى الشيخ زكريا أحمد الملحن الشهير بوالدها عام سبعة عشر وصفه بأنه رجل قوي الايمان، شديد التقوى، هذا ما رآه فيه كثيرون عرفوه فيما بعد في القاهرة. قالت «أم كلثوم» عن والدتها انها كانت سيدة تعيش حياة بسيطة، تغرس في أطفالها الصدق والتواضع والايمان بالله، انها الأم المصرية في الريف والأحياء الشعبية، الأم التي تربى وتنقل القيم المتوارثة، وتحفظ البيت، وتدبر أموره. قرية «طماي الزهايرة» قريبة من مدينة السنبلاوين بمحافظة الدقهلية، احدى أخصب مناطق الدلتا وأكثفها سكانا، كانت القرية تضم مائتين وثمانين بيتا يسكنها حوالي ألف وستمائة شخص. تقول أم كلثوم ان القرية متواضعة جدا، أكبر مبنى فيها لا يزيد عن دورين، وكان أكبر مظهر من مظاهر الثراء «كارتة» العمدة التي يجرها حصان، ولم يكن في القرية كلها غير شارع واحد يتسع لكارتة (عربة) العمدة. عندما بلغت أم كلثوم الخامسة بدأت تذهب الى كتاب القرية مثل أخيها خالد، في «الكتاب» كانت تتعلم الحروف وتحفظ القرآن الكريم، لعبت الكتاتيب دوراً مهماً في التعليم وكان لها فضل في تنشئة أجيال تتقن اللغة العربية من خلال حفظ القرآن الكريم. ولعل هذا بداية حجر الزاوية في اتقان أم كلثوم للنطق ومعرفتها مخارج الألفاظ، وبداية تذوقها المعاني، في هذه «الكتاتيب» يقوم بالتدريس شيوخ فقراء ماديا، لكنهم أثرياء علميا، كان لهم هيبة في نظر الأطفال. عندما توفي شيخ كتاب طماي الزهايرة، اضطرت أم كلثوم الى الانتقال للدراسة في كتاب آخر يقع على مسافة ثلاثة كيلومترات من قريتها. في ذلك الزمن كان ممكنا للفتيات الصغيرات ان يذهبن الى الكتاب مع الصبية والهدف حفظ القرآن الكريم. كان والدها اماما لمسجد القرية، يؤم المصلين ويعقد الزيجات، ولأن دخل الامام قليل جدا، قام بتأدية الأغاني الدينية في الأفراح وغيرها من الحفلات التي تقام في قريته والقرى المجاورة، كان يؤدي الأغنيات والمدائح بالاشتراك مع ابنه خالد، وابن أخيه صابر، كانت أم كلثوم تصغي الى والدها وهو يدرب أخيها على أداء المدائح والأغنيات، أتصور بالخيال تلك الصبية الفقيرة، النحيفة، وهي تقعد مصغية في البيت المبني من الطوب اللبن، من تصور أو خطر بباله ان هذه الطفلة ستكون أشهر مطربات العالم العربي خلال ما تبقى من القرن والى مدى لا يعلمه الا الله؟! انتبه والدها الى اصغائها، وعندما سمعها أدرك ان صوتها فريد في قوته، حينئذ طلب منها ان تحضر الدروس التي يلقنها لشقيقها. بدأت أم كلثوم تحفظ الألحان وتؤدي مقلدة لكنها لم تكن تفهم ما تردده، قالت فيما بعد انها كانت تغني مثل الببغاء. في احدى الليالي كان من المفروض ان ينشد والدها وشقيقها في بيت العمدة، ولكن طرأ ما نغص على والدها، اذ مرض ابنه مرضا أقعده عن المشاركة في الغناء، وهنا خطر للأب ان يستعين بابنته ذات الصوت الجميل. طلب منها ان ترتدي ملابس شقيقها، وعقال، بدت الطفلة في مظهر صبي، وصحبت والدها الى الحفل. تلك هي الصدفة التي دفعت بأم كلثوم الى البداية. أدرك والدها جمال صوتها، بدأت تصحبه مرتدية زي الصبية، بعد فترة ـ وكانت في حوالي السابعة من العمر ـ صحبت والدها لاحياء حفلة في قرية مجاورة، وحصلت على أول مقابل مادي في حياتها، عشرة قروش، أي حوالي ثلاثة أرباع دولار، أي لنقل خمسة جنيهات طبقا لقيمة النقود الآن ونحن في مطلع القرن الحادي والعشرين. كانت العشرة قروش تعادل نصف مرتب والدها من عمله بمسجد القرية. هذا الحفل كان مختلفا اذ ضم عددا من أعيان مدينة السنبلاوين المجاورة، طلبوا من والدها ان يحضرها الى حفلاتهم. كان ذهابها الى السنبلاوين، كما قالت فيما بعد، أكثر اثارة من ذهابها الى باريس أو نيويورك، بعد بدء ترددها على حفلات القوم بدأ صيتها في الذيوع، تلك الصبية الصغيرة ذات الصوت القوي الجميل التي تغني أغاني المشايخ، ولأن صوتها فريد، جميل، أصبحت هي مركز الفرقة الصغيرة المكونة من والدها وشقيقها. تقول عن تلك الحفلات الأولى أنها كانت تذهب الى القرى المجاورة سيرا على الأقدام، ثم تعود الأسرة الى طماي الزهايرة في ساعة متأخرة من الليل، ثم بدأت الحفلات البعيدة، وعرفت أم كلثوم الانتقال بالسيارات والقطار، كان يربط الدلتا شبكة من القطارات الصغيرة عرفت باسم الفرنساوي، وكانت صغيرة، بطيئة، عرفتها في ستينيات القرن الماضي قبل ان تختفي. وكان هناك أيضا قطارات سكك حديد الحكومة المصرية، وقد عرفتها أم كلثوم أثناء تنقلاتها العديدة لاحياء الحفلات، لقد أدت هذه الحفلات الى ذيوع صيتها في الريف، لم تكن قد أتمت الثامنة من العمر الا وأصبحت مشهورة في الريف باعتبارها الطفلة ذات الصوت الجميل، مرة أخرى تتقدم الصدفة لتلعب دورها. استمع اليها أحد تجار المنطقة، اقترح على والدها ان تقدم حفلا عاما، قام بالفعل بتنظيم هذا الحفل في مدينة أبو الشقوق، وبيعت تذاكر الحفل بسعرين، الأول قرش واحد، والثاني خمسة قروش، كان من المتفق عليه ان تغني أربع ساعات، لكن نشبت مشاجرة عنيفة استمرت حوالي ساعة، ثم هدأت لتبدأ من جديد، وكان ذلك سببا في ان أم كلثوم لم تغن الا لمدة نصف ساعة فقط. لم تكن هذه الحفلات العامة معروفة على نطاق واسع وقتئذ، وكان لها مشاكلها أيضا، في بعضها كان أفراد من الجمهور يثيرون المشاكل لشربهم الخمر، واشترط والدها ـ بعد تجربة صعبة في الزقازيق ـ الا يتم توزيع أي خمور في الحفلات، وفي حفلة أخرى أقيمت بقرية «القرشية» بالقرب من طنطا نجت أم كلثوم وأسرتها بأعجوبة من الموت، فلم يكن الحفل نفسه الا كمينا أعدوه لجذب سكان قرية مجاورة، واستغلوا شهرة أم كلثوم لجذبهم.. ثم الفتك بهم، المشاكل التي كانت تنشب في الحفلات العامة جعلت والدها يلبسها عباءة صبي ويغطي رأسها بالعقال. شيئا فشيئا مع ذيوع صوتها وشهرتها، بدأ الأعيان وأثرياء القوم يوجهون اليها الدعوات لاحياء حفلاتهم الخاصة، أحد هؤلاء اسمه توفيق بك زاهر، القاضي بدمياط، أعجب بصوتها، وراح يروج لها، وبذلك يكون أحد الشخصيات المهمة التي لعبت دورا في تقديم أم كلثوم الى المجتمع القاهري. أول حفلة أنشدت فيها كانت في القاهرة، بضاحية حلوان، حيث دعاها عز الدين يكن بك، للانشاد في حفل أقيم بمناسبة الاسراء والمعراج. هذا الحفل يعد الأول الذي يقام بعقد موقع، كان الوسيط هو ناظر عزبة عزالدين بك يكن في السنبلاوين، وقد كتب في العقد الذي وقعه والدها ما نصه: «أقر أنا الموقع أدناه الشيخ ابراهيم السيد، من طماي الزهايرة، مركز السنبلاوين، والد الشيخة أم كلثوم، أنني أنا وأبنتي قد وافقنا على الذهاب الى قصر محمد عز الدين بك في حلوان، في 26 رجب 1235 هجرية (19 مايو 1917) لقراءة سيرة النبي الكريم في ليلة المعراج، نظير أجر قدره ثلاثة جنيهات مصرية خلاف مصاريف الانتقال، وفي حالة تأخري عن هذا الموعد أقر بأنني سوف أدفع غرامة قدرها عشرة جنيهات». خلال الفترة من عام 1910 الى عام 1920، ارتفع أجر أم كلثوم زيادة كبيرة، لقد كان أول أجر تقاضته عشرة قروش، ثم ارتفع الى خمسة وعشرين قرشا، وعندما أصبح جنيها ونصف صارت الأسرة تعتبر نفسها من الميسورين، وعندما صار والدها يطلب عشرة جنيهات في الحفلة الواحدة، أصبح مؤكدا حدوث نقلة في مستوى الأسرة، وبدأ والدها يشترط شروطا. منها مثلا ضرورة تقديم زجاجة مياه غازية الى ابنته، كانت المياه الغازية أعجوبة في ذلك الوقت. في السنبلاوين، في احدى الحفلات استمع اليها اثنان، ربما جاءا خصيصا للاستماع اليها، هما: الشيخ أبوالعلا محمد، والشيخ زكريا أحمد، أعجبا بصوتها، وكان اقتراحهما بحضورها الى القاهرة والاقامة بها بداية الطريق الفسيح الى المجد، ذلك الطريق الذي بدأ بصدفة، فتحت الطريق لهذا الصوت الرائع الذي كان ممكنا ان يظل مجهولا في طماي الزهايرة. ترى، كم صوت مثله تردد ومضى بدون ان يصلنا منه مع النسيم خبر؟